Wednesday، 04 March 202602:17 PM
آراء حرة

اللواء طارق جمعة يكتب: هرتزل إلى خامنئي.. كيف تتحول الروايات إلى أهداف في الصراع الإيراني–الإسرائيلي؟

الإثنين، 16 يونيو 2025 02:46 مساءً
اللواء طارق جمعة يكتب: هرتزل إلى خامنئي.. كيف تتحول الروايات إلى أهداف في الصراع الإيراني–الإسرائيلي؟
لواء دكتور طارق جمعة – باحث فى شئون الارهاب والأمن الاقليمى بمعهد شئون الأمن العالمى والدفاع
15

في الشرق الأوسط، تتعدد الصراعات، لكن القليل منها يمتلك مكونات وجودية تجعل نهايته شبه مستحيلة، الصراع الإيراني–الإسرائيلي ليس مجرد خلاف سياسي تقليدي، بل هو نزاع على الشرعية، وتاريخ الوجود، وسردية الهوية.

فعلى مدار أكثر من أربعة عقود، لم تُطلق حرب شاملة، لكن المواجهة مستمرة بأشكال متغيرة: ضربات جوية دقيقة، اغتيالات مدروسة، عمليات سيبرانية، ودعم لفصائل تعمل بالوكالة. إنه صراع يُدار على جبهتين: واحدة ميدانية، وأخرى رمزية. في جوهره، تدور معركة حول سؤال بسيط في مظهره، عميق في جوهره: من يمتلك الرواية الأقوى؟ ومن ينجح في تحويلها إلى أدوات للشرعية؟

 هرتزل وخامنئي “روايتان على طرفي النقيض”.. هرتزل”الفكرة التي تحولت إلى دولة”

في عام 1896، كتب تيودور هرتزل كتابه “الدولة اليهودية”، ليؤسس لرواية كاملة عن الضحية التاريخية التي تعود لتنتصر. لاحقًا، استند المشروع إلى وعد بلفور، وتحقق بقيام إسرائيل عام 1948، التي بنت هويتها على سردية “العودة التاريخية”.

خامنئي: الثورة كصدام حضاري

في المقابل، شكّلت الثورة الإيرانية عام 1979 سردية مضادة، ترى إسرائيل “شيطانًا صغيرًا”، ووجودها اعتداءً حضاريًا يستوجب مقاومته. بالنسبة لخامنئي، لم يكن الصراع مجرد تحدٍ سياسي، بل مواجهة قيمية–ثقافية تستهدف جوهر الهوية.

الذاكرة المعمارية: كيف تتحول المباني إلى أهداف؟

في الحروب التقليدية، تُحدد الأهداف غالبًا بصفات عسكرية. لكن في هذا الصراع، للمباني دلالات رمزية. تدمير منشأة نووية لا يستهدف القدرة فقط، بل المعنى. منشأة “نطنز” التي تعرضت لهجمات بين 2020 و2022 كانت رمزًا لسيادة إيران التقنية. ومجمع “شهيد كاوه”، الذي ضُرب في 2025، لم يكن مجرد منشأة للمسيّرات، بل منصة للتمكين الدفاعي الوطني.

من بنك الأهداف إلى الجغرافيا المقدسة

لم يعد “بنك الأهداف” في هذا الصراع يقتصر على المواقع العسكرية، بل توسّع ليشمل كل ما يُهدد السردية: مختبرات، جامعات، مراكز إعلامية، وحتى شخصيات رمزية.

في المقابل، طوّرت إيران بنكًا أكثر مرونة، يعتمد على شبكات بالوكالة مثل حزب الله، وحماس، والحوثيين، الذين لا يملكون بنك أهداف فقط، بل أيضًا مرونة في التنفيذ تُربك الخصم وتُوزع الجغرافيا.

إسرائيل: هندسة الردع عبر السرد

تعتمد إسرائيل على مبدأ استباقي يُعرف بـ “الضربة الوقائية”، لكنها تضيف له بُعدًا سرديًا: لا يُكتفى بإسكات قدرة الخصم، بل يُراد توصيل رسالة أوسع: “نحن نعرف، ونُحدد، وننفّذ”.

عندما اغتيل فخري زاده عام 2020، لم يكن الهدف فقط وقف مشروع إيران النووي، بل “قطع الرأس السردي” للمشروع.
وحين ضُرب الجنرال حسين سلامي ورفاقه في يونيو 2025، كانت الضربة الموجهة تُوظف كأدوات سردية ذكية لا تقل عن الطائرات والصواريخ في فاعليتها.

إيران: الرد من تحت الأنقاض

تُدرك طهران أنها تخوض حربًا مع خصم يتفوق استخباراتيًا وتقنيًا. لذا، طورت أسلوبًا خاصًا في الرد يُعرف بـ”المقاومة المعمارية”: بعد كل ضربة، تُعاد هندسة المبنى، وأحيانًا تُضاعف وظيفته كرسالة تحدٍ.
منشآت إيران العسكرية باتت تنتقل إلى تحت الأرض، كما في “مدينة المسيّرات”، التي تُصنع فيها الطائرات بدون طيار في بيئات محصّنة يصعب اختراقها.

من تل أبيب إلى أصفهان – يونيو 2025 نموذجًا للصراع المعقّد

في 11 يونيو 2025، استيقظت إيران على ضربات خاطفة استهدفت مباني في طهران وكرج وأصفهان، من بينها مقر للحرس الثوري وجامعة عسكرية.
أسفرت الضربات عن مقتل قادة كبار، أبرزهم الجنرال حسين سلامي ومحمد باقري.
وردت إيران في اليوم التالي بإطلاق أكثر من 150 صاروخًا ومسيّرة على تل أبيب، أسدود، وحيفا، تسببت بمقتل 23 إسرائيليًا وتدمير مركز مراقبة.
الصراع في هذا اليوم لم يكن فقط ماديًا، بل لغويًا: كل طرف حاول أن يقول كلمته عبر النار.

الرسائل الخفية في إعادة الإعمار

لا تتعامل إيران مع إعادة الإعمار كمجرد ترميم، بل كتكذيب حيّ للسردية الإسرائيلية. بعد كل ضربة، يُعاد بناء المنشأة بشكل أسرع وربما أقوى، في محاولة لتثبيت “الرواية المتماسكة”.

في المقابل، تبث إسرائيل صورًا جوية للمباني قبل وبعد، لتؤكد أن “الضربة أصابت”.
تتحول الكاميرات، من الجانبين، إلى أدوات حرب رمزية في معركة مستمرة على شرعية الرواية.

اغتيال قاسم سليماني: رأس السردية أم العقل العملياتي؟

في فجر الثالث من يناير 2020، استهدفت طائرة أميركية مسيّرة قاسم سليماني، قائد “فيلق القدس”، بالقرب من مطار بغداد.
هذه العملية لم تكن فقط ضربة عسكرية، بل زلزالًا رمزيًا في بنية السردية الإيرانية.

لم يكن سليماني مجرد جنرال، بل كان يمثل “رأس حربة الثورة” ومهندس شبكات النفوذ. اغتياله جاء كـ”نزع لرأس الرواية” التي بنتها طهران لعقود.
وفي المقابل، ردّت إيران بقصف قاعدة عين الأسد، مصحوبًا بخطاب تعبوي ضخم يؤكد استمرار الرد بأشكال متعددة.

الحرب السيبرانية – جبهات غير مرئية ومعارك الرموز

في عام 2010، أصاب فيروس “ستاكسنت” منشآت نطنز النووية، في أول هجوم إلكتروني استباقي واسع النطاق.
ورغم عدم تبني المسؤولية رسميًا، اتُّهمت إسرائيل والولايات المتحدة بزرعه. لاحقًا، أعلنت إيران أنها اخترقت شبكات مياه إسرائيلية.

كل طرف يُعيد تقديم هذه الهجمات بوصفها انتصارًا سرديًا: “نحن نمتلك المفاتيح الرقمية”، حتى لو لم تُعلن نتائج كارثية.
فالسيبرانية هنا ليست أداة تخريب فقط، بل معركة روايات في الفضاء الرقمي.

الرواية المعمارية: من الضاحية الجنوبية إلى أصفهان

بعد حرب يوليو 2006، أعادت إيران تمويل إعادة إعمار الضاحية الجنوبية في بيروت، ليس فقط كدعم لحزب الله، بل كتجسيد لفكرة “النهوض بعد الدمار”.
هذا النمط يتكرر في أصفهان وطهران وغزة.
إسرائيل تدرك هذه الآلية جيدًا، ولهذا تسعى إلى تنفيذ “ضربات مركبة” تُربك المعنى وتُسقط الرمز، كما في قصف غرفة الاجتماعات في يونيو 2025.

من يحدد بنك الأهداف؟.. البعد المذهبي أم الأمني؟

بنك الأهداف الإسرائيلي لا يُبنى فقط على معلومات عسكرية، بل يشمل بعدًا رمزيًا وثقافيًا.
استهداف منشآت قرب النجف أو دمشق يحمل دلالات مذهبية، ورسائل مزدوجة موجهة للداخل الإيراني والعربي.

في المقابل، لا تتردد طهران في ضرب أهداف مدنية إسرائيلية ضمن استراتيجية “ضرب المعنويات”، في محاولة لإنتاج توازن رعب شعبي–نفسي.

السردية في الثقافة والإعلام – معركة ناعمة على العقول

لا تقتصر المواجهة بين إسرائيل وإيران على الميدان العسكري والسيبراني، بل تمتد بعمق إلى الجبهة الثقافية والإعلامية.
في إسرائيل، تُنتج أعمال تصور التهديد الإيراني كوجودي، وتُدرّس الرواية الصهيونية في المناهج.
في المقابل، توظف إيران الخطاب الديني، ويوم القدس، والأدب الشعبي، لترسيخ سردية “المظلومية المقاومة”.

الأغاني، المسرحيات المدرسية، الأفلام الوثائقية، والمنشورات على وسائل التواصل، كلها تُستخدم كمنصات لتعزيز فكرة أن الصراع ليس فقط على الأرض، بل على الذاكرة الجمعية والوجدان العام.

تمجيد الرموز: المقابر كذاكرة حية

في إيران، تتحول المقابر إلى فضاءات سياسية. جنة الزهراء ليست مجرد مقبرة، بل منصة تثبيت سردي.
وفي لبنان، قبور قادة حزب الله تُعرض كرموز للبطولة، مصحوبة بشاشات ومواد بصرية.
وفي إسرائيل، تُقام نصب لضحايا الهجمات لتأكيد استمرارية التهديد.

هكذا، تُصبح الأرض ليست فقط ساحة حرب، بل مسرحًا لإعادة إنتاج السرديات – حيث يتحول القبر إلى كتاب، والمقبرة إلى ساحة تربوية.

من يكتب التاريخ؟

وسط هذا الاشتباك المركب، قد يكون السؤال الأكثر إنسانية وبساطة: من يكتب التاريخ في النهاية؟ هل هو المنتصر عسكريًا؟ أم من ينجح في زرع روايته في أذهان الأجيال؟

ربما يكون النصر الحقيقي هو من يستطيع أن يُقنع طفلًا في المستقبل أن بلاده كانت على “الحق”، وأن المعركة التي خاضها جيله كانت أخلاقية، وعادلة، ومشروعة.

في هذا الصراع، لا تُبنى الانتصارات فقط بالقوة، بل بالقدرة على إقناع الذاكرة. وربما، في لحظة ما قادمة، لن يكون الصاروخ هو الأداة الأهم، بل الكلمة، والرمز، والحكاية.

ما بين صورة هرتزل على جدار مدرسة إسرائيلية، وصوت خامنئي في يوم القدس، يستمر الصراع… لا فقط على الأرض، بل على السرد ذاته.

إيران: سردية الصمود واستعادة السيادة

لا يمكن فهم تحركات إيران إلا في سياق أوسع من الدفاع عن السيادة، فمنذ الثورة الإسلامية عام 1979، تبنت طهران رؤية مستقلة عن مراكز القوة الغربية، وسعت لتقديم نموذج بديل في الإقليم، يتحدى الهيمنة، ويعيد الاعتبار لمظلومية الشعوب.

برامج إيران الدفاعية — سواء عبر تطوير الصناعات العسكرية المحلية، أو دعم حركات المقاومة — تُقدَّم داخليًا كحق مشروع لمواجهة الضغوط والتهديدات المستمرة. فعلى الرغم من العقوبات، والحصار، وحملات التشويه، فإن الجمهورية الإسلامية طوّرت منظومة ذاتية تحمي بها سرديتها ومواطنيها.

الرواية الإيرانية في وعي الشعوب

لا يمكن إغفال أن كثيرًا من الشارع العربي والإسلامي، وحتى بعض الأوساط الغربية، بات ينظر إلى إيران بوصفها الفاعل الوحيد الذي يُحافظ على اتساق خطابه ومواقفه، خصوصًا تجاه القضية الفلسطينية.

إيران، من خلال دعمها لحركات المقاومة وتأكيدها المستمر على رفض التطبيع، رسخت لنفسها صورة البديل الأخلاقي في مواجهة ما تعتبره محور الهيمنة الغربية.

هذا الحضور الأخلاقي لا يتجسد فقط في خطب الزعماء، بل في السياسات الميدانية، والدعم اللوجستي، والمواقف الإعلامية التي تعكس رؤية متماسكة، تتجاوز الحسابات التكتيكية إلى بنية خطاب شامل يمتد لعقود.

الرواية التي لا تموت

ربما يكون أهم ما في هذا الصراع أنه لا يدور حول السيطرة، بل حول من يُقنع الآخر بأنه الأحق بالبقاء.

وإن كان أحد الأطراف يراهن على التكنولوجيا والتفوق الاستخباراتي، فإن الطرف الآخر — إيران — تراهن على الذاكرة والصمود والإيمان بالحق.
فحتى إن سقط مبنى، أو قُصف قائد، فإن الفكرة لا تموت. بل يعاد بعثها في خطبة الجمعة، أو في مدرسة الحي، أو في نُصُب الشهيد.

وهكذا، لا يُقاس النصر فقط بما تدمّره الطائرات، بل بما تُخلّده الذاكرة، وما تبنيه الشعوب رغم الركام.

اقرأ لهؤلاء

ثروت الخرباوي يكتب: 30 يونيو.. اللحظة التي قررت فيها الدولة أن تعود من المنفى