الأحد، ٣١ مايو ٢٠٢٦٦:٤٧ م
آراء حرة

عبدالله عرجون يكتب: الحركة المدنية الديمقراطية.. سقوط في بئر الخيانة

الأحد، 31 مايو 2026 02:44 مساءً
عبدالله عرجون يكتب: الحركة المدنية الديمقراطية.. سقوط في بئر الخيانة
الكاتب الصحفي عبدالله عرجون – رئيس تحرير موقع سياسة بوست
15

في السياسة، لا تُقاس المواقف بحجم الكلمات ولا ببلاغة البيانات، وإنما بالرسائل التي تحملها، وباللحظة التي تُطرح فيها أمام الرأي العام، ومن هنا جاء الجدل الواسع الذي أثاره البيان الأخير الصادر عن الحركة المدنية الديمقراطية، ليس فقط بسبب مضمونه، وإنما بسبب ما اعتبره كثيرون انعكاسًا لتحول مقلق في ترتيب الأولويات السياسية، وانحرافًا عن الدور الذي يفترض أن تضطلع به أي قوة سياسية تدّعي تمثيل مصالح المواطنين والدفاع عن قضاياهم.

فعلى مدار عقود، ارتبطت فكرة المعارضة الوطنية والعمل السياسي الجاد بالدفاع عن الحقوق العامة، والانحياز لمطالب المواطنين، ومراقبة أداء السلطة التنفيذية، وتقديم البدائل والحلول للأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تمس حياة الناس بشكل مباشر، وكانت قيمة أي حزب أو حركة سياسية تُقاس بمدى التصاقها بقضايا الشارع، وقدرتها على التعبير عن آلام المواطنين وتطلعاتهم، لا بمدى استعدادها لخوض معارك دفاعية نيابة عن أصحاب الثروة أو النفوذ.

لكن البيان الأخير للحركة المدنية الديمقراطية فتح بابًا واسعًا للتساؤلات حول طبيعة الأولويات التي تحكم بعض النخب السياسية، فبدلًا من أن ينشغل الخطاب السياسي بقضايا تتعلق بارتفاع الأسعار، وتحديات المعيشة، وفرص العمل، وتحسين الخدمات العامة، وجد كثيرون أن الحركة اختارت أن تضع ثقلها السياسي والإعلامي في معركة تبدو بعيدة عن هموم المواطن العادي، الأمر الذي أثار علامات استفهام حول مدى إدراكها لأولويات اللحظة الراهنة.

إن الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في مضمون البيان، وإنما في الرسالة السياسية التي يبعث بها إلى المجتمع. فعندما يشعر المواطن بأن بعض القوى السياسية أصبحت أكثر حماسًا للدفاع عن رجال الأعمال أو أصحاب المصالح الخاصة من حماسها للدفاع عن حقوقه ومطالبه اليومية، فإن الفجوة بين الشارع والنخب السياسية تتسع، وتتراجع الثقة في قدرة تلك القوى على تمثيل المواطنين أو التعبير عنهم.

ومن وجهة نظري، فإن الانحراف عن طريق الدفاع عن الوطن والمواطن لا يُعد مجرد خطأ في التقدير السياسي، بل يمثل خيانة للدور الوطني الذي يفترض أن تضطلع به القوى السياسية، فالأحزاب والحركات لا تُنشأ للدفاع عن مصالح الأفراد أو حماية أصحاب النفوذ، وإنما لتكون صوتًا للمواطن وحارسًا للمصلحة العامة،وعندما تتحول الأولويات من الدفاع عن الوطن إلى الدفاع عن رجل أعمال أو مصالحه الخاصة، فإن ذلك يُنظر إليه باعتباره خيانة صريحة للرسالة الوطنية التي من أجلها وُجد العمل السياسي في الأساس.

وفي الدول التي تمتلك حياة سياسية ناضجة، تدرك الأحزاب أن رأسمالها الحقيقي ليس البيانات ولا المؤتمرات الصحفية، وإنما الثقة الشعبية، وهذه الثقة تُبنى عبر الانحياز الواضح للمصلحة العامة، والوقوف إلى جانب المواطن في مواجهة التحديات، لا عبر الانخراط في معارك قد تُفهم باعتبارها دفاعًا عن مصالح فردية أو اقتصادية خاصة.

ولعل أخطر ما يمكن أن تواجهه أي حركة سياسية هو فقدان وضوح البوصلة، فحين تختلط الأولويات، وتتراجع قضايا الوطن إلى الصفوف الخلفية، بينما تتصدر قضايا الأفراد واجهة المشهد، يصبح من المشروع التساؤل، لمن يتوجه الخطاب السياسي؟ ولصالح من تُخاض المعارك؟ وما هي الحدود الفاصلة بين الدفاع عن المبادئ والدفاع عن المصالح؟.

إن العمل السياسي الوطني لا يُختبر في أوقات الراحة، بل في لحظات الاختيار الصعبة، عندما يصبح على القوى السياسية أن تحدد بوضوح موقعها بين المواطن وصاحب النفوذ، وبين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، وبين قضايا الوطن الكبرى والقضايا الفردية الضيقة، وفي مثل هذه اللحظات تتشكل الصورة الحقيقية لأي كيان سياسي أمام الرأي العام.

اليوم، لم تعد الحركة المدنية الديمقراطية تقف أمام مجرد اختبار سياسي أو أخلاقي، بل أمام لحظة انكشاف حقيقية تكشف حجم التباعد بينها وبين القضايا التي يفترض أنها وُجدت للدفاع عنها، فالبيان الأخير لم يُنظر إليه باعتباره زلة سياسية عابرة، وإنما باعتباره تعبيرًا صريحًا عن خلل عميق في ترتيب الأولويات، حيث بدا وكأن الحركة اختارت الانحياز إلى أصحاب المصالح والنفوذ في وقت ينتظر منها المواطن أن تكون صوتًا لمعاناته ومدافعًا عن حقوقه، إن القوى السياسية لا تفقد رصيدها الشعبي بسبب اختلاف المواقف فحسب، وإنما عندما تتخلى عن جوهر رسالتها، وعندما تنشغل بالدفاع عن أصحاب الامتيازات أكثر من انشغالها بالدفاع عن الوطن والمواطن، ومن هنا جاءت موجة الغضب والانتقادات التي رأت في هذا الموقف ابتعادًا صارخًا عن مقتضيات العمل الوطني، وانحيازًا لا يمكن تبريره لمنظومة المصالح على حساب المصلحة العامة.

ولم يعد السؤال المطروح اليوم ما إذا كان هذا البيان مجرد موقف عابر، بل ما إذا كانت الحركة المدنية قد دخلت بالفعل مرحلة جديدة من الانفصال عن نبض الشارع وأولويات الدولة والمجتمع، فالمشكلة لم تعد في بيان أو تصريح، وإنما في المسار الذي تعكسه مثل هذه المواقف، والمسافة التي باتت تفصل الحركة عن القضايا الحقيقية للمواطنين، وإذا كانت الأحزاب والحركات السياسية تُقاس بمدى دفاعها عن الوطن ومصالح أبنائه، فإن الانشغال بالدفاع عن رجال الأعمال وأصحاب النفوذ على حساب القضايا الوطنية الكبرى يمثل، في نظر منتقدي الحركة، سقوطًا سياسيًا وأخلاقيًا مدويًا، وفقدانًا للبوصلة الوطنية التي يفترض أن توجه أي عمل سياسي مسؤول، وعندما يصبح الدفاع عن المصالح الخاصة أكثر حضورًا من الدفاع عن الوطن، فإن الاتهامات بالتخلي عن الواجب الوطني لا تبدو مبالغة، بل نتيجة طبيعية لمسار اختار أن يبتعد عن الناس وينحاز إلى غيرهم.