Wednesday، 04 March 202610:08 AM
آراء حرة

اللواء طارق جمعة يكتب: من القاهرة بدأت النهاية.. سقوط الإخوان وارتداداته في الجغرافيا العربية

الإثنين، 09 يونيو 2025 07:57 مساءً
اللواء طارق جمعة يكتب: من القاهرة بدأت النهاية.. سقوط الإخوان وارتداداته في الجغرافيا العربية
لواء دكتور طارق جمعة – باحث فى شئون الارهاب والأمن الاقليمى بمعهد شئون الأمن العالمى والدفاع
15

مثّلت ثورة 30 يونيو 2013 لحظة تحوّل جوهري في المشهد السياسي الإقليمي، لا فقط بالإطاحة بجماعة الإخوان الإرهابية من سدة الحكم في مصر، بل بإعادة تشكيل التصورات حول مستقبل الحركات الإسلامية التنظيمية في العالم العربي. إذ إن الجماعة، بوصفها المركز التاريخي لهذا التيار، كانت تمثل النموذج المرجعي لباقي الحركات سياسيًا وتنظيميًا وفكريًا.

لم يكن سقوط الإخوان مجرد انتقال سلطة، بل ضربة استراتيجية نالت من مشروعية فكرة التمكين العقائدي في المجال العام، وقوضت ثقة الشعوب والأنظمة على حد سواء في إمكانية اندماج تلك الحركات في الدولة الوطنية الحديثة. في هذا المقال، نحاول تحليل أثر 30 يونيو على مستقبل هذه الحركات، ومآلات مشروعها في الإقليم، وتداعيات اللحظة المصرية على الجغرافيا الأيديولوجية المحيطة.

أولًا: لحظة 30 يونيو… ما بعد المفاجأة

جاءت الإطاحة بحكم الإخوان في مصر ضمن سياق إقليمي كان يشهد تصاعدًا غير مسبوق للتيارات الإسلامية الحركية بعد “الربيع العربي”، حيث صعدت تلك الحركات إلى السلطة أو إلى تخومها في دول مثل تونس وليبيا واليمن، فيما أعادت التموضع في المعارضة المسلحة بسوريا، وبقيت حاكمة في السودان.

في هذا المناخ، مثّل فوز محمد مرسي عام 2012 لحظة انبهار داخلي وخارجي بـ”قابلية الإسلاميين للحكم”، إلا أن ما حدث بعد عام واحد فقط من فشل إداري واحتكار سياسي، ثم انفجار شعبي عارم في 30 يونيو، كشف عن:

  • ضعف قدرة الجماعة على إدارة الدولة بمعايير حديثة.
  • قصور بنيتها الفكرية عن استيعاب التنوع والتعددية.
  • ميلها إلى الاحتكار التنظيمي للمجال العام.
  • كانت 30 يونيو لحظة كاشفة؛ إذ كشفت المشروع الحركي من ادعاءات “الإصلاح الشامل”، وأثبتت أن امتلاك الخطاب لا يعني امتلاك الكفاءة.

ثانيًا: سقوط النموذج المركزي وتفكك المرجعية التنظيمية

لطالما كانت جماعة الإخوان بمثابة المرجعية المركزية للحركات الإسلامية التنظيمية في العالم العربي، من حيث:

  • البنية التنظيمية المحكَمة.
  • الرصيد التاريخي.
  • قدرة التمدد خارج الحدود.

وقد عملت لعقود على تصدير نموذجها إلى الخارج، بوصفه المثال القابل للتكرار في “أسلمة الدولة” ضمن الأطر الديمقراطية.

لكن سقوط الجماعة في مصر فجّر ارتدادات عميقة:

  • تصدع التنظيم الدولي للإخوان، وظهور انقسامات بين أجنحته الإقليمية.
  • خسارة السند الشعبي، حتى في البيئات التي كانت تساند الجماعة تاريخيًا.
  • هروب الكوادر وتشتت النواة الصلبة في الشتات الإقليمي والدولي.
  • لم يكن الأمر سقوطًا لفرع محلي، بل انهيارًا لهيكل قيادي لطالما تغذّت منه الحركات الإسلامية المُسَيّسة في العالم العربي.

ثالثًا: ارتدادات إقليمية… انحسار المشروع الحركي

امتدت صدمة 30 يونيو إلى دول عربية عديدة، كانت تشهد صعودًا مشابهًا لنفوذ الحركات الإسلامية ذات الطابع الحزبي أو شبه الدعوي:

  • تونس: اضطرت حركة النهضة إلى مراجعة خطابها السياسي، وقبلت التنازل عن الحكم، ثم انسحبت لاحقًا تحت ضغط الشارع والرئاسة.
  • المغرب: سقط حزب العدالة والتنمية سقوطًا مدويًا في انتخابات 2021، بعد تجربة حكم لم تحقق وعودها الاجتماعية ولا الاقتصادية.
  • ليبيا: شهد التيار الإسلامي تراجعًا حادًا أمام تصاعد القوى العسكرية والمدنية المضادة له.
  • السودان: تمت الإطاحة بإرث الإسلاميين في 2019، وسقطت آخر واجهة سياسية لحكم الحركة الإسلامية في إفريقيا.
  • إن الانهيار الذي بدأ من مصر تحوّل إلى عدوى إقليمية أصابت بنية المشروع الحركي، وأجبرت فروعه القُطرية على الانكفاء أو التعديل.

رابعًا: فقدان الغطاء الدولي… وتبدّل المواقف الغربية

قبل 2013، كانت بعض القوى الغربية تنظر إلى جماعة الإخوان كـ”ضامن استقرار” في مرحلة ما بعد الثورات، خاصة مع انضباطها التنظيمي وتبنيها خطابًا شبه ديمقراطي. لكن بعد 30 يونيو:

  • انهارت الصورة الأخلاقية للجماعة بسبب خطابها التحريضي بعد العزل.
  • فُضحت ازدواجية معاييرها بين خطاب داخلي شعبوي وخطاب خارجي تصالحي.
  • بدأ الانقسام داخل مراكز التفكير الغربية بشأن دعم هذا النوع من الحركات.
  • بذلك، فقدت الجماعة غطاءها الدولي، كما تبدّلت أولويات الدول الغربية لصالح “الاستقرار فوق الأيديولوجيا”، خاصة مع صعود تهديدات الإرهاب العابر للحدود.

خامسًا: الأزمة الفكرية… من الشعار إلى الصمت

إن أخطر ما نتج عن 30 يونيو هو الفراغ المفاهيمي الذي تركه سقوط الإخوان،دون أن يظهر بديل فكري داخل الحركات الإسلامية التنظيمية. بل شهدنا:

  • انكفاءً على الذات وتنشيطًا لخطاب المظلومية.
  • تشتتًا بين أجنحة عنيفة وأخرى ناعمة.
  • غياب مراجعات فكرية حقيقية يمكن البناء عليها في المستقبل.
  • فالمشروع لم يتأزم سياسيًا فقط، بل دخل في مأزق فكري عميق، حيث بات عاجزًا عن الإجابة عن أسئلة الدولة، والمواطنة، والحداثة.

سادسًا: التكيف أو التلاشي؟

  • بعد عقد من 30 يونيو، لا تزال الحركات الإسلامية التنظيمية تتأرجح بين خيارين:
  1. التكيف والانخراط الجزئي في الأنظمة السياسية القائمة، بمرونة تكتيكية لا تصل إلى المراجعة الجذرية.
  2. الانسحاب نحو الهوامش أو المنفى أو الساحات الهشة، مع الإصرار على خطاب الرفض والمظلومية.
  • بعض الفروع – خاصة في الغرب أو إفريقيا – اختارت مسارًا براغماتيًا للاندماج المدني، بينما اختارت أخرى – كفروع إسطنبول – العودة إلى الخطاب التعبوي، ما زاد من تآكل صورتها لدى المجتمعات والنخب على حد سواء.

سابعًا: نتائج استراتيجية لثورة 30 يونيو

  • أعادت 30 يونيو صياغة التوازنات الاستراتيجية في المنطقة، على النحو التالي:
  • ترسيخ الدولة الوطنية كمفهوم مركزي مقابل التمدد الأيديولوجي.
  • خلق محور إقليمي مضاد لحركات التنظيم الديني (مصر – السعودية – الإمارات).
  • تغيير أولويات الأمن الإقليمي من دعم التعدد إلى منع الاختراق.
  • انهيار “الشرعية المطلقة للصندوق” لحساب “الشرعية المركبة” بين الشارع والدستور والمؤسسة.

ما بعد الجماعة… ما بعد الوهم

  • لم تكن ثورة 30 يونيو مجرد انتفاضة داخلية على جماعة بعينها، بل كانت إعلانًا صريحًا عن رفض المجتمعات العربية للخضوع لحكم تنظيمي مغلق، ولو جاء عبر الانتخابات. لقد كشفت التجربة المصرية حدود المشروع ، وكشفت هشاشته أمام تعقيدات الدولة الحديثة ومطالب المجتمعات المتغيرة.
  • ما بعد الإخوان ليس فقط مرحلة سياسية، بل مرحلة فكرية وأخلاقية في تاريخ المنطقة، حيث باتت الدولة المدنية أكثر حضورًا، والفكرة التنظيمية أكثر هشاشة. وربما يكون أعظم درس من 30 يونيو أن الشعوب لا يمكن أن تُدار باسم الأيديولوجيا، ولا باسم الغيب، بل باسم الواقع والحكم الرشيد.
  • لواء دكتور طارق جمعة – باحث فى مجال الحركات الاسلامية والذكاء الاصطناعى
    لواء دكتور طارق جمعة – باحث فى مجال الحركات الاسلامية والذكاء الاصطناعى

    اقرأ لهؤلاء

ثروت الخرباوي يكتب: 30 يونيو.. اللحظة التي قررت فيها الدولة أن تعود من المنفى