Wednesday، 04 March 202603:30 PM
آراء حرة

لواء دكتور رضا فرحات يكتب: 30 يونيو.. حين انتصرت الدولة وسقط القناع عن الإخوان

الأحد، 08 يونيو 2025 04:46 مساءً
لواء دكتور رضا فرحات يكتب: 30 يونيو.. حين انتصرت الدولة وسقط القناع عن الإخوان
اللواء الدكتور رضا فرحات – محافظ الإسكندرية الأسبق – أستاذ العلوم السياسية
15

حين يكتب تاريخ الشعوب، فإن بعض التواريخ لا تكون مجرد أرقام، بل تتحول إلى علامات مضيئة في مسيرة الوعي الوطني، ونقاط تحول فارقة في مصير الأوطان، ويأتي يوم 30 يونيو 2013 في مقدمة هذه التواريخ، ليس فقط لأنه شهد خروج ملايين المصريين دفاعا عن دولتهم، بل لأنه مثل لحظة انكشاف كامل لحقيقة جماعة الإخوان، و أسدل الستار عن وهم “المظلومية” الذي طالما احتمت به الجماعة لعقود.

لقد قدمت ثورة 30 يونيو نفسها كإرادة شعبية جبارة، لإنقاذ وطن كان يتجه بخطى متسارعة نحو التفكك، على يد تنظيم عقائدي مغلق لا يؤمن بالدولة الوطنية ولا بقواعد الديمقراطية، و إنما يستخدمهما كوسيلة لاختطاف الحكم و الانقضاض على مؤسسات الدولة وتغيير هويتها من الداخل.

منذ نشأتها في ثلاثينيات القرن الماضي، لم تكن جماعة الإخوان كيانا دينيا دعويا كما تدعي، بل كانت دوما تنظيما سياسيا ذا طبيعة سرية، له جهازه الخاص، و بيعته المغلقة، و أجندته العابرة للحدود، وقد وظفت الجماعة الدين كأداة للنفوذ والسيطرة، لا كقيمة للإصلاح، وجعلت من الخطاب الديني وسيلة تعبئة سياسية تستهدف تشكيل ولاءات بديلة داخل المجتمع، تضع التنظيم فوق الدولة، و تستبدل القانون المدني بمرجعيات أيديولوجية لا تخضع للمساءلة.

ولم يكن عام حكم الإخوان في مصر بعد ثورة 25 يناير سوى التجسيد العملي لهذا المشروع فبمجرد أن تسلموا السلطة، كشفوا عن وجه آخر لا يمت بصلة لما روجوا له أثناء الثورة، إذ بدأوا في فرض السيطرة على مفاصل الدولة، وتهميش مؤسساتها الوطنية، وتسخيرها لخدمة مشروع “التمكين”، دون أي اعتبار للتنوع المجتمعي أو الشرعية الشعبية، بل والأدهى من ذلك أنهم اختزلوا الوطن في الجماعة، وتعاملوا مع معارضيهم باعتبارهم “خارجين عن الصف”، يستحقون الإقصاء وربما التكفير.

وخلال هذا العام القصير، كاد المصريون يفقدون دولتهم؛ فقد تفككت الأجهزة التنفيذية، وتراجعت هيبة الدولة، وتصاعدت حدة الاستقطاب الطائفي والسياسي، وانتشرت دعوات العنف باسم الدين، حتى تحولت الشوارع إلى ساحات مفتوحة للصراع، وأصبحت الجماعة تلوح بسيناريوهات الحرب الأهلية إذا ما خرجت من الحكم، وكان واضحا أن الجماعة لا تعرف شيئا عن منطق الدولة أو آليات الحكم، ولا تمتلك مشروعا تنمويا حقيقيا، بل تسعى فقط إلى اختطاف الدولة وتحويلها إلى “إمارة تنظيمية”.

في هذا السياق، لم يكن خروج المصريين بالملايين في 30 يونيو إلا ردا طبيعيا على هذا الانحراف الخطير، وكان المشهد أقرب إلى استفتاء شعبي ضد حكم الجماعة، شارك فيه الجميع: شباب الثورة، القوى الوطنية، البسطاء، النخب، مؤسسات الدولة، الكنيسة، الأزهر، وحتى من كانوا مترددين سابقا، اجتمعوا جميعا تحت راية “إنقاذ الدولة” وليس تحت أي شعار أيديولوجي أو حزبي.

وكانت استجابة القوات المسلحة لنداء الشعب في 3 يوليو تجسيدا لدورها التاريخي كدرع يحمي الدولة من السقوط، لا كمنافس في السياسة، وهنا تجلت عبقرية اللحظة: إرادة شعبية استدعت مؤسسة وطنية للقيام بدورها الدستوري، في انسجام نادر، أجهض مخطط التقسيم وأسس لمرحلة جديدة من البناء والاستقرار.

أما جماعة الإخوان، فقد كشفت الأحداث ما بعد 30 يونيو عن طبيعتها الإرهابية والانتهازية؛ فبدلا من مراجعة النفس والاعتراف بالخطأ، لجأت إلى التحريض، ونشر الفوضى، والاستقواء بالخارج، وارتكبت أعمالا إرهابية استهدفت الجيش والشرطة والقضاء وحتى المدنيين، في محاولة يائسة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، لقد ارتدت الجماعة إلى حقيقتها الأصلية، وعادت إلى أدبيات العنف والتكفير التي أسسها سيد قطب، وأثبتت للعالم أنها لم تكن يوما جزءا من الحل، بل كانت دوما جوهر الأزمة.

واليوم، بعد مرور أكثر من عقد على ثورة 30 يونيو، يمكننا أن نقول بثقة إن مصر استعادت توازنها، واستعادت دولتها، ليس فقط بإزاحة الإخوان عن الحكم، ولكن بتجفيف منابع التطرف، وتحصين المجتمع بفكر جديد، وتعزيز مفهوم الدولة المدنية الحديثة، وبدء مسار تنموي شامل يعيد الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

لكن المعركة لم تنته بعد، الفكر لا يقهر إلا بفكر أقوى، والتنظيم لا يتآكل إلا بمواجهة شاملة تمتد إلى التعليم والإعلام والثقافة، و لا بد أن ننتج خطابا وطنيا عصريا يرسخ قيم المواطنة والانتماء، ويحمي العقول من الاستلاب الفكري، و يحاصر الجماعة في مأزقها التاريخي، كتنظيم فقد شرعيته وسقط عنه القناع.

إن 30 يونيو لم تكن مجرد نهاية لحكم الإخوان، بل كانت بداية لصحوة وطنية كبرى، أكدت أن الشعوب، حين تستشعر الخطر، قادرة على الفعل، وأن الدولة، حين تتسلح بالوعي، قادرة على النجاة، ولعل الدرس الأهم من تلك اللحظة هو أن الأوطان لا تبنى بالشعارات، ولا تحمي بالنوايا، بل بمؤسسات قوية، ووعي شعبي حي، ومشروع وطني لا يقصي أحدا، لكنه لا يهادن من يسعى لهدمه.

إن 30 يونيو لم تغلق صفحة فقط، بل فتحت أبوابا جديدة من الأمل والتحدي، و أعادت للمصريين ثقتهم بأن هذا الوطن لا يدار من خارج الحدود، ولا يحكم من خلف الشاشات، ولا يستبدل فيه التاريخ بهويات دخيلة.
فلتبقى 30 يونيو عنوانا للوعي، وشهادة على أن مصر باقية بمن آمنوا بها، وعملوا من أجلها، ورفضوا أن يبيعوها تحت أي راية غير رايتها ولن ينسي التاريخ أن مصر وقفت في وجه عاصفة كادت تبتلع المنطقة كلها، وقالت “لا” في وجه من ظن أنه فوق الدولة والشعب ومثلما كانت 30 يونيو صرخة حياة، فإن الحفاظ على مكتسباتها مسؤولية مستمرة، لا تقبل التراخي ولا المساومة.

اقرأ لهؤلاء