
شهدت الطائرات المسيرة (الدرونز) تحولًا جذريًا في طبيعة استخدامها خلال العقد الأخير، حيث انتقلت من أداة مدنية وتقنية حديثة تُستخدم في التصوير الجوي والاستطلاع إلى أداة حاسمة في الحروب والصراعات المسلحة.
أصبحت هذه التقنية متاحة في الأسواق العالمية بأسعار معقولة، مما سهّل على التنظيمات المسلحة والجماعات الجهادية الوصول إليها واستغلالها لتحقيق أهدافها العسكرية والاستخباراتية.
تنظيم “داعش” كان الرائد في استخدام الطائرات المسيرة ضمن التنظيمات الجهادية، حيث استغل هذه التقنية لتطوير استراتيجيات قتالية غير تقليدية. لاحقًا، تبنى تنظيم “القاعدة” الأسلوب نفسه، لكن بوتيرة أقل، قبل أن تصبح هيئة تحرير الشام أبرز الجماعات التي تعتمد بشكل مكثف على الطائرات المسيرة في معاركها في سوريا. الهيئة استفادت من انهيار داعش والقاعدة في مناطق متعددة، لتستقطب كوادر تقنية عملت سابقًا مع تلك التنظيمات، وتطور استخدام الطائرات المسيرة لتصبح عنصرًا رئيسيًا في استراتيجيتها العسكرية.
ظهرت الطائرات المسيرة لأول مرة كجزء من الحروب النظامية، حيث استخدمتها الجيوش الكبيرة للاستطلاع وتنفيذ ضربات جوية دقيقة دون تعريض الطيارين للخطر. لكن مع انتشار هذه التقنية في الأسواق التجارية وتحولها إلى أداة متاحة للجميع، بدأت الجماعات المسلحة في تعديل الطائرات التجارية لتلائم احتياجاتها القتالية.
تنظيم “داعش” كان أول من استغل هذه التقنية في ساحة المعركة عام 2014. بدأ استخدام الطائرات المسيرة بشكل محدود لأغراض الاستطلاع، حيث كانت تُستخدم لرصد تحركات القوات العراقية والسورية، وتحديد نقاط الضعف في خطوط دفاعها. لكن مع تقدم داعش في توظيف التكنولوجيا، بدأت الطائرات المسيرة تُستخدم كأداة هجومية. تم تعديل الطائرات التجارية مثل DJI Phantom لتصبح قادرة على حمل عبوات ناسفة صغيرة يتم إسقاطها على الأهداف.
خلال معركة الموصل (2016-2017)، اعتمد داعش بشكل مكثف على الطائرات المسيرة. نُشرت تسجيلات مصورة تُظهر طائرات مُعدلة وهي تُلقي قنابل يدوية صغيرة على القوات العراقية ومركباتها العسكرية، مما تسبب في إرباك التحركات الميدانية ورفع تكاليف المواجهة ضد التنظيم. هذا الاستخدام المكثف للطائرات المسيرة شكل نقلة نوعية في أساليب القتال غير التقليدية.
أما تنظيم “القاعدة”، فقد استفاد من هذه التقنية في اليمن وأفغانستان، لكنه ركز بشكل أكبر على المهام الاستطلاعية وجمع المعلومات الاستخباراتية، مع تنفيذ هجمات محدودة باستخدام الطائرات المسيرة.
انتقال التقنية إلى هيئة تحرير الشام
مع انهيار داعش وتراجع نشاط القاعدة، انتقلت خبرات استخدام الطائرات المسيرة إلى هيئة تحرير الشام، التي استفادت من الكوادر التقنية التي عملت سابقًا في هذه التنظيمات. تمكنت الهيئة من استقطاب خبراء متخصصين في تصميم الطائرات وتعديلها، مما ساعدها على تطوير منظومتها الخاصة للطائرات المسيرة.
أبو أحمد الأنصاري، الذي كان يعمل كمهندس اتصالات مع داعش، يُعتبر من أبرز الشخصيات التي ساهمت في تطوير الطائرات المسيرة لدى الهيئة. بعد انهيار داعش، انضم إلى هيئة تحرير الشام عام 2019 وساعد في تطوير أنظمة التحكم عن بعد للطائرات، مما عزز من قدرة الهيئة على تنفيذ مهام استطلاعية دقيقة.
أبو إبراهيم المقدسي، الذي كان خبيرًا في الإلكترونيات مع تنظيم القاعدة في اليمن، انضم إلى الهيئة وأسهم في تطوير أجهزة تفجير دقيقة تُركب على الطائرات المسيرة. ساعدت خبرته في زيادة دقة العمليات الجوية وتقليل احتمالات الخطأ.
عبد الله الطاجي، تقني من آسيا الوسطى، تخصص في تصميم أنظمة الحوامل للعبوات الناسفة. انضم إلى هيئة تحرير الشام عام 2018، وساهم في تحسين قدرة الطائرات على حمل متفجرات ثقيلة والتحليق لمسافات أطول.
أبو الليث الكويتي، متخصص في برمجة أنظمة التحكم بالطائرات، ساعد في تحسين البرمجيات المستخدمة لتوجيه الطائرات في بيئات معقدة كالمناطق الجبلية والمناطق ذات الطقس المتغير.
هيئة تحرير الشام استخدمت الطائرات المسيرة بشكل مكثف في عملياتها العسكرية، خاصة ضد قوات النظام السوري وحلفائه. هذه العمليات كانت مزيجًا من الهجمات الاستطلاعية والهجومية، حيث ساعدت الطائرات المسيرة الهيئة على تحقيق نجاحات عسكرية نوعية.
أبرز العمليات التي نُفذت باستخدام الطائرات المسيرة:
• هجمات قاعدة حميميم الروسية (2018): استهدفت الهيئة القاعدة الروسية في اللاذقية بطائرات مسيرة، حيث ضربت مستودعات الذخيرة والطائرات المروحية. رغم الدفاعات الجوية المتقدمة في القاعدة، نجحت بعض الطائرات في الوصول إلى أهدافها، مما أثار قلقًا كبيرًا لدى القيادة الروسية بشأن تطور استخدام الطائرات المسيرة من قبل الجماعات المسلحة.
• معركة كفرنبودة (2019): استخدمت الهيئة الطائرات المسيرة لضرب خطوط الدفاع الأمامية للنظام السوري، مما مهد الطريق لتقدم قواتها البرية. هذه العملية أظهرت فعالية الطائرات المسيرة في تفكيك التحصينات الدفاعية قبل بدء الهجوم.
• هجمات في ريف إدلب (2023): خلال التصعيد الأخير، استخدمت الهيئة الطائرات المسيرة لاستهداف مراكز قيادة ومستودعات أسلحة تابعة للنظام السوري في مناطق مثل جسر الشغور وسراقب.
• استهداف خطوط الإمداد في حلب (2023): شنت الهيئة هجمات دقيقة على قوافل الإمداد التابعة للنظام في ريف حلب الغربي، مما أدى إلى تعطيل وصول التعزيزات إلى الجبهات القتالية.
• ضربات في جبل الزاوية وسهل الغاب (2024): استُخدمت الطائرات المسيرة لاستهداف نقاط تجمع القوات ومستودعات الذخيرة، مما ساهم في إضعاف محاولات التقدم العسكري للنظام في تلك المناطق.
تعتمد هيئة تحرير الشام على مجموعة من المصادر للحصول على الطائرات المسيرة ومكوناتها:
• الشراء التجاري: تستورد الهيئة الطائرات التجارية مثل DJI Phantom وMavic من الأسواق العالمية عبر وسطاء يعملون في تركيا وأوروبا الشرقية. تُهرب هذه الطائرات إلى سوريا عبر الحدود التركية لتُستخدم كما هي أو تُعدل لأغراض عسكرية.
• السوق السوداء: تعتمد الهيئة على شبكات تهريب توفر مكونات إلكترونية متطورة، مثل أنظمة التحكم والبطاريات والمحركات. هذه المكونات تُشترى من الأسواق السوداء عبر وسطاء يتعاملون مع شبكات دولية.
• إعادة التصنيع: تقوم الهيئة بتفكيك الطائرات المسيرة التالفة وإعادة استخدام أجزائها لتصنيع طائرات جديدة أو تحسين الطائرات الموجودة.
• الدعم غير المباشر: تشير تقارير إلى أن بعض المعدات تُشترى من شركات صغيرة في دول مجاورة دون علمها باستخدام منتجاتها من قبل الجماعات المسلحة.
تعتمد هيئة تحرير الشام على شبكات لوجستية داخل سوريا وخارجها. تشير التقارير إلى أن بعض الوسطاء في تركيا يسهلون حصول الهيئة على مكونات الطائرات المسيرة. كما أن بعض التجار الأفراد في الأسواق المجاورة يقدمون دعمًا غير مباشر من خلال توفير المعدات اللازمة.
التدريب على الطائرات المسيرة
لضمان الاستخدام الأمثل للطائرات المسيرة، أنشأت هيئة تحرير الشام مراكز تدريب متخصصة. أبرز هذه المراكز هو “معسكر الفاروق”، الذي يتم فيه تدريب العناصر على تشغيل الطائرات وتوجيهها في العمليات العسكرية. كذلك، هناك “معسكر البحوث التقنية”، الذي يركز على تعديل الطائرات التجارية لتحويلها إلى طائرات هجومية قادرة على حمل متفجرات.
يشرف على هذه التدريبات شخصيات بارزة مثل أبو أحمد الأنصاري، الذي يقدم تدريبات متقدمة على أنظمة التحكم عن بعد، وأبو الليث الكويتي، الذي يركز على تطوير البرمجيات المستخدمة في توجيه الطائرات.
تداعيات استخدام الطائرات المسيرة
ترك استخدام الطائرات المسيرة من قبل هيئة تحرير الشام تأثيرًا كبيرًا على الصراع السوري. عسكريًا، مكّنت هذه الطائرات الهيئة من تنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف استراتيجية للنظام السوري وحلفائه، مثل مستودعات الأسلحة ومراكز القيادة.
اقتصاديًا، تُعتبر الطائرات المسيرة خيارًا منخفض التكلفة مقارنة بالأسلحة التقليدية، مما خفف العبء المالي على الهيئة.
سياسيًا، أثار استخدام الطائرات المسيرة قلقًا دوليًا بشأن انتشار هذه التقنية بين الجماعات المسلحة، مما زاد من الضغوط على الجهات الداعمة لها.
تحولت الطائرات المسيرة إلى أداة استراتيجية في يد هيئة تحرير الشام، التي استفادت من الخبرات التقنية والمصادر المختلفة للحصول على هذه التقنية وتطويرها. مع استمرار توفر الطائرات المسيرة تجاريًا وتطور التكنولوجيا، يُتوقع أن تواصل الهيئة تحسين استخدامها لهذه التقنية، مما يشكل تحديًا أمنيًا إقليميًا ودوليًا يتطلب استجابة شاملة للحد من انتشارها .





