
في لحظة إقليمية ودولية ضاغطة، لم يعد مقبولًا أن تُدار الملفات الاجتماعية بمنطق ردّ الفعل، أو أن تُترك مساهمات الفاعلين خارج إطار واضح يضمن تعظيم الأثر.
وخلال السنوات الأخيرة، قدّمت الدولة نموذجين مهمين في هذا السياق:
الأول، ما حققه التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي من تحويل العمل الأهلي من جهود متفرقة إلى شبكة منظمة ذات قدرة حقيقية على الوصول والتأثير.
والثاني، ما رسخته حياة كريمة من منهجية تعتمد على تحديد الأولويات ميدانيًا، وربط التنمية بالخريطة الفعلية للاحتياج.
هذان المساران لم يقدما فقط خدمات، بل أعادا تعريف “كيف تُدار المسؤولية”.
لكن رغم هذا التقدم، يبقى ضلع أساسي في المعادلة لم يُستثمر بالشكل الكافي:القطاع الخاص.
ليس لأنه غائب، بل لأنه يتحرك حتى الآن في مساحة محدوده ليست بالقدر الذي يسمح بتعظيم أثره أو توجيهه نحو الأولويات الوطنية.
وهنا، لا يصبح السؤال: هل يشارك القطاع الخاص؟
بل: كيف نجعل مشاركته جزءًا فعالا من السياسة العامة؟
من هذا المنطلق، أقترح “جائزة مصر للمسؤولية المجتمعية” كمدخل لإعادة ضبط العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، ليس عبر الإلزام، ولكن عبر الحافز والتنظيم.
القيمة الحقيقية لهذا الطرح لا تكمن في “الجائزة” كرمز،
بل في ما يمكن أن تُنتجه كآلية.
آلية تعيد ترتيب الإنفاق المجتمعي وفق أولويات واضحة،وتضع معايير قابلة للقياس،
وتربط بين الأداء المجتمعي والمكانة الاقتصادية.
بمعنى أكثر مباشرة:
الذي يُحقق أثرًا… يحصل على ميزة.
وهنا، يأخذ المقترح أبعادًا سياسية واقتصادية متداخلة:
اقتصاديًا، يفتح الباب أمام توجيه موارد إضافية نحو ملفات حيوية دون تحميل الدولة أعباء مباشرة.
اجتماعيًا، يضمن وصول المبادرات إلى الفئات الأكثر احتياجًا وفق بيانات واقعية بالتعاون مع التحالف الوطني وحياة كريمة
سياسيًا، يعزز مفهوم الشراكة، ويُخرج المسؤولية المجتمعية من دائرة “التطوع” إلى مساحة “الالتزام غير المباشر”.
تنظيميًا، يؤسس لمنظومة تقييم تفرّق بين الأثر الحقيقي والنشاط الشكلي.
وتحفيزيًا، يخلق بيئة تنافسية قائمة على النتائج الفعلية وليست الظهور.
لكن أي انحراف في تصميم هذه الأداة سيحوّلها بسهولة إلى جائزة شكلية جديدة، تُضاف إلى المشهد دون أن تغيّره.
الفرق بين أداة سياسة عامة وجائزة دعائية،
هو في التفاصيل:
لابد انه يكون للجائزة معايير مُعلنة
وتقييم مستقل
ونتائج مُرتبطة بحوافز حقيقية
وشفافية تسمح بالمحاسبة
بدون ذلك، سنكون أمام “جائزة”… بلا سياسة.
أما مع ذلك، فنحن أمام فرصة حقيقية لاستكمال معادلة ثلاثية متماسكة:
دولة تحدد وتدير،
مجتمع مدني ينفذ ويدعم،
وقطاع خاص يُحفَّز ويُسهم بفاعلية
وعندما تكتمل أضلاع المثلث،
لا نكون فقط قد واجهنا التحديات، بل وضعنا أساسًا أكثر توازنًا واستدامة لمستقبل الاقتصاد والمجتمع.





