Saturday، 25 April 202607:15 PM
آراء حرة

د. رضا فرحات يكتب .. في ذكرى ” تحرير سيناء ” رسائل سياسية تؤكد ثوابت الدولة المصرية

السبت، 25 أبريل 2026 04:32 مساءً
د. رضا فرحات يكتب .. في ذكرى ” تحرير سيناء ” رسائل سياسية تؤكد ثوابت الدولة المصرية
د. رضا فرحات
15

في الخامس والعشرين من أبريل، تتجدد الذاكرة الوطنية المصرية مع الذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء، لتثبت تلك المناسبة أنها ليست مجرد محطة تاريخية تخلد في الأرشيف، بل هي نبض حي يجسد سيادة الدولة، وهويتها الاستراتيجية، وقدرتها على تحويل الجغرافيا إلى قاطرة للتنمية والأمن القومي وفي هذا الإطار، حملت الرسائل التي وجهها الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الاحتفال بهذه الذكرى أبعادا تتجاوز السرد التاريخي، لتتحول إلى خطاب سياسي متكامل يعزز استقرار الداخل، ويؤكد على ثوابت مصر الراسخة تجاه القضايا العربية، في وقت تشهد المنطقة تحولات جيوسياسية متسارعة واختبارات وجودية للدول.

 

 

 

سيناء: من رمز التحرير إلى نموذج التكامل الوطني

 

 

 

لم يعد تحرير سيناء يقرأ اليوم بمعزل عن مشروعي البناء والتنمية الشاملة، بل صار نموذجا متكاملا لكيفية تحويل الأرض المستردة إلى عماد للأمن القومي والاقتصاد الوطني فقد ربط الرئيس في كلماته بين استعادة السيادة التاريخية وبين استكمال التنمية المستدامة في شبه الجزيرة، وهو ربط استراتيجي يعزز الشعور بالانتماء ويقلص الفجوات التنموية بين الأقاليم ومن خلال التأكيد على أن استقرار سيناء هو امتداد طبيعي لاستقرار الدولة ككل، أرسلت الرسائل رسالة واضحة مؤداها أن الأمن الوطني لا يتجزأ، وأن أي تهديد للأطراف هو تهديد للمركز وهذا النهج يعكس نضجا في الرؤية الأمنية والسياسية للدولة المصرية الحديثة، حيث لم تعد الحماية العسكرية كافية وحدها، بل يجب أن تترافق مع حضور تنموي مؤسسي يحول الحدود من خطوط فاصلة إلى جسور تواصل وإعمار.

 

 

 

ثوابت السياسة الخارجية: بوصلة لا تتأرجح مع المتغيرات

 

 

 

 

 

في خضم التقلبات التي تشهدها الساحة العربية، تبرز مصر كدولة تحمل بوصلة ثابتة لا تتأرجح مع المتغيرات الآنية أو التحالفات المؤقتة وجاءت رسائل الرئيس لتذكر الأصدقاء والخصوم على حد سواء بأن مصر لا تتخلى عن ثوابتها التي صاغها التاريخ وأكدها العمل المؤسسي المتراكم: أولا، القضية الفلسطينية بوصفها قضية مركزية وعربية وليست فلسطينية وحسب، وما يترتب على ذلك من رفض للمس بالحقوق المشروعة أو تغيير الوضع التاريخي والقانوني للأماكن المقدسة ثانيا، رفض المساس بسيادة الدول أو التدخل في شؤونها الداخلية، وهو مبدأ انطلقت منه الدبلوماسية المصرية في إدارة ملفات ليبيا والسودان والقرن الأفريقي, ثالثا، التمسك بالحلول السياسية والدبلوماسية كأدوية وحيدة للأزمات المزمنة، بعيدا عن منطق الاستقطاب أو التسويات الهشة التي تؤجل الصراع ولا تحله, هذه الثوابت لم تطرح كخطاب إنشائي، بل كإطار عمل مؤسسي يعكس خبرة تراكمية للدولة المصرية في قراءة المشهد الإقليمي بواقعية ومسؤولية.

 

 

 

الاستقرار الداخلي كأساس للدور الإقليمي

 

 

 

ما يميز الرؤية التي قدمها الرئيس هو الربط العضوي بين الاستقرار الداخلي والدور الإقليمي لمصر فالدولة التي تنجح في حسم ملف تنمية وتأمين أطرافها الجغرافية، تملك بالضرورة رصيدا من المصداقية يخولها أن تكون وسيطا فاعلا وضامنا للتوازنات الإقليمية وقد تجلى ذلك بوضوح في التأكيد على أن مصر لن تكون يوما طرفا في الصراعات، بل ستكون دائما جزءا من الحل، وهو نهج يتماشى مع تاريخ الدبلوماسية المصرية التي فضلت لغة الحوار على لغة التصادم، والإعمار على التدمير، والشراكة على الهيمنة ومن هنا، فإن رسائل الذكرى لم تكن موجهة للداخل فحسب، بل كانت أيضا بيانا سياسيا للعالم أجمع يفيد بأن مصر دولة مستقرة، وقادرة على تحمل مسؤولياتها الإقليمية والدولية بثبات ووضوح، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى مراكز استقرار إقليمية تمتلك رؤية طويلة المدى وقدرة على احتواء التصادمات قبل أن تتحول إلى حرائق عابرة للحدود.

 

 

 

نحو دولة مؤسسات ورؤية استراتيجية متجددة

 

 

 

إن ما أكدته كلمات الرئيس في هذه المناسبة يتجاوز الاحتفاء بالماضي إلى رسم ملامح الحاضر والمستقبل, فالدولة المصرية اليوم لا تعتمد على الارتجال في إدارة ملفاتها، بل على مؤسسات وطنية تعمل بتناغم، ورؤية استراتيجية تراعي المعطيات الأمنية، والاقتصادية، والبشرية، والإقليمية في آن واحد وهذا التكامل هو ما يمنح رسائل الذكرى وزنها الحقيقي، إذ لا يمكن فصل الحديث عن تحرير الأرض عن الحديث عن تحرير الإرادة السياسية من التبعية، ولا يمكن فصل الاستقرار الداخلي عن الدور الخارجي دون الوقوع في مفارقة تضعف الدولة وتضعف خطابها.

 

 

 

 

 

إن الاحتفال بالذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء لم يكن مجرد استذكار لانتصار عسكري وسياسي، بل كان محطة لتجديد العهد مع ثوابت الدولة المصرية التي صمدت أمام العواصف الإقليمية وتقلبات الزمن والرسائل التي انبثقت عن كلمة الرئيس في هذه المناسبة تشكل نسيجا متراكما يربط بين السيادة والتنمية، وبين الاستقرار الداخلي والدور الإقليمي، ليؤكد أن مصر لا تتعامل مع الأحداث بردود أفعال عابرة، بل برؤية استراتيجية راسخة تقوم على المصلحة الوطنية العليا، واحترام القانون الدولي، والشراكة العربية الأصيلة, وفي زمن تتشابه فيه الخطابات السياسية وتختلف فيه المواقف العملية، تظل مصر دولة الثوابت، وسيناء شاهدا على أن الإرادة الوطنية عندما تجتمع مع القيادة الحكيمة والمؤسسية الرصينة، تصنع المعجزات، وتؤسس لواقع أكثر استقرارا وأمانا للأجيال القادمة.