Wednesday، 04 March 202602:27 PM
آراء حرة

اللواء طارق جمعة يكتب: الشمال السوري في قلب الصراع.. معركة الفصائل الإسلامية تُربك النظام وتعيد رسم الميدان

الجمعة، 29 نوفمبر 2024 06:32 مساءً
اللواء طارق جمعة يكتب: الشمال السوري في قلب الصراع.. معركة الفصائل الإسلامية تُربك النظام وتعيد رسم الميدان
لواء دكتور طارق جمعة – باحث فى شئون الارهاب والأمن الاقليمى بمعهد شئون الأمن العالمى والدفاع
15

شهدت الأيام الأخيرة تطورًا ميدانيًا مفاجئًا في شمال سوريا، مع تصعيد عسكري واسع قادته الفصائل الإسلامية المسلحة، وعلى رأسها “هيئة تحرير الشام”، ضد القوات الحكومية وحلفائها في ريفي إدلب وحلب، هذا الهجوم المباغت، الذي وصف بأنه الأضخم منذ سنوات، أدى إلى تغييرات ملموسة على الأرض، ما دفع بالمشهد السوري إلى مرحلة جديدة من التعقيد.

الهجوم، الذي شمل عدة محاور استراتيجية، أبرزها الطريق الدولي دمشق-حلب (M5)، جاء ليؤكد أن الفصائل المعارضة لا تزال قادرة على استعادة زمام المبادرة رغم السنوات الطويلة من الضغط العسكري والسياسي. ومع اقتراب الفصائل الإسلامية من مناطق حيوية في ريف حلب وإدلب، تزايدت التساؤلات حول ما إذا كان النظام السوري قادرًا على مواجهة هذا التحدي، خاصة في ظل التقارير التي تشير إلى خسائر كبيرة تكبدتها القوات الحكومية والميليشيات الموالية لها، بما في ذلك عناصر من حزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني.

في هذا المقال، سنتناول بالتفصيل أبعاد هذا التصعيد العسكري، بدءًا من خلفياته التاريخية، مرورًا بأهميته الميدانية والاستراتيجية، وصولًا إلى تأثيراته السياسية والإقليمية على الصراع السوري ككل.

الخلفية التاريخية: إدلب وحلب في قلب الصراع السوري

منذ اندلاع الحرب السورية في عام 2011، لعبت إدلب وحلب أدوارًا رئيسية في مسار الصراع. حلب، العاصمة الاقتصادية لسوريا، كانت معقلًا للمعارضة المسلحة لعدة سنوات قبل أن تستعيدها الحكومة السورية بالكامل عام 2016 بعد معارك شرسة ودعم روسي مكثف. في المقابل، ظلت إدلب آخر معاقل المعارضة، حيث تسيطر عليها “هيئة تحرير الشام” إلى جانب فصائل إسلامية أخرى.

إدلب، التي تضم ملايين المدنيين، كانت دائمًا محل تجاذب دولي وإقليمي، خاصة مع تدخل تركيا المباشر في المنطقة. الاتفاقيات الدولية، مثل اتفاق سوتشي 2018 بين روسيا وتركيا، أسهمت في تأجيل المواجهة الشاملة على إدلب، لكنها لم تمنع التصعيد المتقطع الذي شهدته المنطقة على مدار السنوات الماضية.

أهمية الطريق الدولي دمشق-حلب (M5): الشريان الاقتصادي والعسكري

الطريق الدولي M5 يُعد واحدًا من أبرز المحاور الاستراتيجية في سوريا، إذ يربط العاصمة دمشق بمدينة حلب مرورًا بحماة وإدلب. هذا الطريق يمثل شريانًا اقتصاديًا وعسكريًا بالغ الأهمية، حيث يُستخدم لنقل البضائع والإمدادات، فضلًا عن كونه ممرًا حيويًا للقوات العسكرية.

على مدار السنوات الماضية، كان هذا الطريق محل صراع مستمر بين النظام والمعارضة. ورغم نجاح الحكومة السورية، بدعم من روسيا، في استعادة السيطرة عليه بالكامل في مارس 2020، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى أن الفصائل الإسلامية تسعى لإعادة السيطرة على أجزاء منه، ما يمثل تهديدًا كبيرًا للنظام السوري ويعزز نفوذ المعارضة في المنطقة.

الهجوم الأخير: تفاصيل العملية ومجرياتها

الهجوم العسكري الذي شنته الفصائل الإسلامية تميز بالتخطيط العالي والمفاجأة. انطلق الهجوم من عدة محاور، أبرزها ريف إدلب الجنوبي وريف حلب الغربي، مستهدفًا نقاط تمركز القوات الحكومية وخطوط إمدادها.

التقارير الميدانية تشير إلى أن الفصائل استخدمت تكتيكات متقدمة، شملت استهداف النقاط الأضعف في الدفاعات الحكومية، بالإضافة إلى تنسيق الضربات على مواقع متعددة في وقت واحد. هذه الاستراتيجية نجحت في إحداث حالة من الفوضى والانهيار في صفوف القوات الحكومية، مما مكن الفصائل من السيطرة على عدد من القرى والبلدات الحيوية في المنطقة.

الخسائر البشرية والعسكرية للنظام وحلفائه

التقارير الأولية تفيد بأن الهجوم أسفر عن خسائر كبيرة في صفوف القوات الحكومية والميليشيات الموالية لها. عشرات القتلى والجرحى تم تسجيلهم، إلى جانب أسر عدد كبير من العناصر، بينهم مقاتلون من حزب الله والحرس الثوري الإيراني.

بالإضافة إلى الخسائر البشرية، فقد النظام معدات عسكرية نوعية، بما في ذلك دبابات ومدرعات كانت تستخدم في الدفاع عن هذه المناطق. هذا الفقد يعكس حجم المفاجأة التي تعرضت لها القوات الحكومية، التي كانت تعتقد أن هذه الجبهات مستقرة نسبيًا.

الدور التركي: دعم ضمني أم سياسة جديدة؟

أثار الهجوم الأخير تساؤلات عديدة حول الدور التركي في دعم الفصائل الإسلامية. تركيا، التي تُعتبر أحد أبرز اللاعبين الإقليميين في الملف السوري، تُتهم منذ سنوات بدعم المعارضة المسلحة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

في هذه المعركة، تشير تقارير إلى أن تركيا قد تكون قدمت دعمًا لوجستيًا للفصائل، بما في ذلك تسهيل نقل الأسلحة والمعدات عبر الحدود. هذا الدعم قد يُفسر رغبة أنقرة في تعزيز نفوذها في الشمال السوري، خاصة في ظل محاولاتها الدبلوماسية لإعادة صياغة العلاقات مع النظام السوري.

رد الفعل الروسي: تصعيد جوي وتحذيرات سياسية

روسيا، الحليف الأكبر للنظام السوري، لم تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا التصعيد. الطائرات الحربية الروسية شنت غارات مكثفة على مواقع الفصائل الإسلامية في إدلب وحلب، في محاولة لوقف تقدمها واستعادة المناطق التي خسرتها القوات الحكومية.

التدخل الروسي يعكس أهمية الشمال السوري بالنسبة لموسكو، التي ترى أن السيطرة على هذه المنطقة ضرورية لضمان استقرار النظام وتأمين مصالحها الاستراتيجية في سوريا. ومع ذلك، فإن هذا التدخل قد يؤدي إلى تصعيد أكبر بين روسيا وتركيا، خاصة إذا استمر الدعم التركي للفصائل المسلحة.

الأزمة الإنسانية: المدنيون في مرمى النيران

التصعيد العسكري في شمال سوريا أضاف عبئًا جديدًا على كاهل المدنيين، الذين كانوا يعانون بالفعل من ظروف إنسانية صعبة. آلاف العائلات نزحت من مناطق الاشتباكات، وسط نقص حاد في المواد الأساسية، مثل الغذاء والدواء.

التقارير تفيد بأن القصف المتبادل طال مناطق سكنية، بما في ذلك المدينة الجامعية في حلب، مما أدى إلى سقوط عشرات الضحايا، بينهم أطفال وطلاب. المنظمات الإنسانية دعت إلى وقف فوري للقتال، مؤكدة أن استمرار التصعيد سيؤدي إلى كارثة إنسانية جديدة في المنطقة.

السيناريوهات المحتملة: ماذا بعد التصعيد؟

التطورات الأخيرة تُنذر بتحولات كبيرة في مسار الصراع السوري، مع احتمالية فتح الباب أمام عدة سيناريوهات:

  1. تثبيت الفصائل الإسلامية لمكاسبها الميدانية:

إذا تمكنت الفصائل من الاحتفاظ بالمناطق التي سيطرت عليها، فإن ذلك سيضعف موقف النظام السوري، خاصة إذا استمر الضغط على الطريق الدولي M5.

  1. تصعيد عسكري مضاد من النظام وحلفائه:

من المرجح أن تشن القوات الحكومية، بدعم روسي وإيراني، هجمات مضادة لاستعادة المناطق التي خسرتها، مما قد يؤدي إلى مواجهات أكثر عنفًا.

  1. زيادة التوتر بين روسيا وتركيا:

إذا استمرت تركيا في دعم الفصائل المسلحة، فإن ذلك قد يؤدي إلى تصعيد دبلوماسي أو حتى عسكري بين أنقرة وموسكو، مما يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.

الخاتمة: الشمال السوري في قلب الصراع الإقليمي والدولي

الهجوم الأخير على ريفي إدلب وحلب يُعد نقطة تحول جديدة في الحرب السورية، يُعيد إلى الأذهان المعارك الكبرى التي شهدتها البلاد في السنوات الأولى من الصراع. مع تداخل المصالح الإقليمية والدولية، يبدو أن الشمال السوري سيظل ساحة صراع مفتوح، حيث تتحدد فيه ليس فقط ملامح مستقبل سوريا، بل أيضًا موازين القوى في المنطقة بأسرها.

الأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مسار هذا الصراع، سواء من خلال تثبيت المكاسب الميدانية للفصائل الإسلامية أو استعادة النظام للمبادرة بدعم حلفائه. في كل الأحوال، يبدو أن الشمال السوري سيظل مشهدًا معقدًا، لا يخلو من المفاجآت التي قد تُغير مسار الأحداث في لحظة.