Saturday، 11 April 202610:00 PM
آراء حرة

د. رضا فرحات يكتب … مفاوضات بلا ثقة.. ورسائل مشفرة بلغة القوة

السبت، 11 أبريل 2026 04:26 مساءً
د. رضا فرحات يكتب … مفاوضات بلا ثقة.. ورسائل مشفرة بلغة القوة
د. رضا فرحات
15

لا تبدو المفاوضات التي انطلقت جولتها الأولى في إسلام آباد وكأنها تحمل بشائر انفراجة قريبة، بقدر ما تعكس حالة من الترقب الحذر، حيث تتراكم التعقيدات وتتداخل الحسابات بما يجعل الوصول إلى حلول نهائية أمرًا شديد الصعوبة في المرحلة الراهنة ويوحي المشهد العام بأن جميع الأطراف دخلت هذه الجولة وهي تدرك أن الطاولة ليست مهيأة بعد لاتفاق حاسم، بل ربما لجولة جديدة من إعادة التموضع السياسي والاستراتيجي.

 

في قلب هذه المفاوضات، يبرز الموقف الإيراني بوصفه الأكثر تعقيدا، فطهران تواجه ضغطا داخليا متصاعدا أمام الرأي العام، الذي بات يترقب نتائج ملموسة بعد سنوات من التوتر والعقوبات، إلى جانب ضغوط خارجية من حلفائها في المنطقة الذين أصبحوا بدورهم يعيدون تقييم علاقاتهم وتحالفاتهم، هذا الوضع يضع الوفد الإيراني في مأزق حقيقي، إذ يتحرك بين ضرورات الحفاظ على صورة الدولة القادرة على الصمود، وبين الحاجة إلى تقديم تنازلات قد تفسر داخليا باعتبارها تراجعا.

 

ويعكس تشكيل الوفد الإيراني نفسه حجم هذا التعقيد، حيث جاء واسعا ومتنوعا، ضم سياسيين وبرلمانيين وخبراء اقتصاديين ومصرفيين، إضافة إلى ممثلين عن الأجهزة الأمنية والعسكرية، هذا التنوع، بدلا من أن يعزز وحدة الموقف، يبدو أنه يكشف عن تباينات داخلية وصراعات مكتومة بين مكوناته، تصل في بعض الأحيان إلى حد الاتهامات المتبادلة، وفي ظل هذه الأجواء، لا يمكن استبعاد أن يتحول وجود بعض أعضاء الوفد خارج البلاد إلى فرصة لإعادة النظر في العودة، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تعيشها النخبة الإيرانية.

 

اقتصاديا، تحاول إيران توظيف ورقة الأموال المجمدة كمدخل لتخفيف حدة التوتر، عبر طرح صيغ قد تفهم على أنها انفتاح على ترتيبات مالية واستثمارية مع الولايات المتحدة، تحت عناوين إعادة الإعمار أو التعاون الاقتصادي، هذه المقاربة تعكس إدراكا إيرانيا بأن العامل الاقتصادي قد يكون مفتاحا لتليين المواقف، إلا أن هذا الطرح يواجه شكوكا كبيرة لدى الطرف الأمريكي، الذي يتعامل مع هذه المبادرات بحذر، انطلاقا من قناعته بأنه في موقع القوة، وأن أي مكاسب مالية يمكن تحقيقها هي مسألة وقت وليست نتيجة تنازل.

 

في المقابل، تدخل الولايات المتحدة هذه المفاوضات من موقع أكثر صلابة، مدعومة برؤية واضحة تتضمن مجموعة من الشروط التي تعتبرها أساسية لإنهاء الصراع، هذه الشروط، التي تشكل جوهر الموقف الأمريكي، تقترن في الوقت نفسه بخيار عسكري لا يزال حاضرا بقوة في الحسابات، ما يجعل طاولة التفاوض محاطة بظلال التهديد، وهذا التوازن بين الضغط العسكري والانخراط الدبلوماسي يعكس استراتيجية تقوم على فرض الوقائع وليس مجرد التفاوض حولها.

 

على الجانب الإقليمي، تتابع دول الخليج مجريات المفاوضات بدقة شديدة، مدفوعة بتجارب سابقة عززت لديها حالة من عدم الثقة في النوايا الإيرانية، ولم تعد هذه الدول تقبل بأن تكون نتائج التفاوض محصورة بين واشنطن وطهران، بل تسعى إلى أن يكون لها حضور مباشر أو غير مباشر، سواء عبر المشاركة أو من خلال طرح مطالب واضحة تتعلق بأمنها واستقرارها، فالتجارب السابقة، خاصة تلك المرتبطة باستخدام أدوات القوة في المنطقة، جعلت من الصعب تجاهل مخاوفها أو تجاوزها.

 

وفي السياق ذاته، تبرز قوى إقليمية أخرى تسعى إلى تثبيت موقعها في أي ترتيبات مستقبلية، ليس فقط كوسطاء، بل كأطراف فاعلة تمتلك مصالح مباشرة في شكل النظام الإقليمي المقبل،وتدرك هذه القوى أن أي تفاهمات كبرى لن تكتمل دون أخذ مصالحها في الاعتبار، وهو ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد التفاوضي.

 

أما إسرائيل، فتبدو غير مرتاحة لمسار هذه المفاوضات، إذ تنظر إليها بعين الشك، خاصة إذا ما أفضت إلى تفاهمات لا تحقق أهدافها الأمنية بشكل كامل ومن هنا، تسعى إلى التحرك في مسارات موازية، سواء عبر تكثيف عملياتها أو عبر الضغط السياسي، لضمان ألا تخرج بنتائج تبقي على أي تهديد محتمل في المستقبل، سواء على مستوى البرنامج النووي أو القدرات الصاروخية.

 

وفي خلفية كل ذلك، يظل مضيق هرمز حاضرا كأحد أهم عناصر الصراع، ليس فقط من الناحية الاقتصادية، بل أيضا من حيث كونه ورقة استراتيجية يمكن أن تعيد رسم موازين القوة، والاهتمام المتزايد بتأمين هذا الممر الحيوي يعكس إدراكا دوليا لأهميته، ويفتح الباب أمام ترتيبات جديدة قد تشمل تحالفات متعددة الأطراف لإدارته أو حمايته، وهو ما قد يحمل في طياته تحولات كبيرة في خريطة النفوذ.

 

في ضوء هذه المعطيات، تبدو المفاوضات الحالية أقرب إلى كونها مرحلة انتقالية، تسعى خلالها الأطراف المختلفة إلى إعادة ترتيب أوراقها، أكثر من كونها سعيا جادا نحو تسوية نهائية، فكل طرف يدخل هذه الجولة وهو يحمل حساباته الخاصة، ويستعد في الوقت نفسه لاحتمال فشلها، ما يجعلها جزءًا من مسار أطول قد يشهد جولات جديدة، وربما تصعيدًا أكبر.

 

في النهاية، لا يمكن قراءة هذه المفاوضات بمعزل عن السياق الأوسع للصراع، حيث تتداخل السياسة بالاقتصاد بالأمن، وتتشابك المصالح المحلية بالإقليمية والدولية، وبينما يستمر التفاوض، يبقى السؤال مفتوحا حول ما إذا كانت هذه الجولة ستقود إلى تهدئة حقيقية، أم أنها مجرد محطة في طريق صراع لم يصل بعد إلى ذروته.