Wednesday، 25 March 202606:51 PM
آراء حرة

د. أحمد موسى يكتب: عندما تصمت السياسة.. تتحدث الأزمات

الأربعاء، 25 مارس 2026 02:38 مساءً
د. أحمد موسى يكتب: عندما تصمت السياسة.. تتحدث الأزمات
الدكتور أحمد موسى – أمين شباب حزب الغد
15

في العالم المعاصر، لا تبدأ الكوارث الكبرى دائمًا بصوت المدافع وحده، بل كثيرًا ما تبدأ بصمت السياسة،  تبدأ حين تتراجع الإرادة، ويذوب القرار في حسابات القوة، ويتحول القانون الدولي من مرجعية ملزمة إلى نص مؤجل، وتصبح المؤسسات التي أُنشئت أصلًا لمنع الانهيار جزءًا من مشهده.

ذلك هو المعنى الأعمق لما يمكن تسميته اليوم بـ«الفراغ السياسي» في الأزمات الدولية: ليس غياب الدول، ولا نقص البيانات، ولا انعدام المبادرات، بل غياب المركز القادر على تحويل المأساة إلى مسار حل، والكارثة إلى تفاوض، والاختلال إلى نظام ردع وضبط. في هذا الفراغ، لا تتوقف السياسة فقط، بل تُستبدل بشيء آخر: بإدارة الفوضى بدل إنهائها، وبتدوير المأساة بدل حسمها، وبالتعايش مع النزيف بدل إغلاق مصدره.

وليس من قبيل المصادفة أن يصف الأمين العام للأمم المتحدة سياق عام 2026 بأنه «سياق من الفوضى»، وأن يحذر من أن الانقسامات الجيوسياسية، والانتهاكات الصارخة للقانون الدولي، والتخفيضات الواسعة في المساعدات والتنمية، تهز أسس التعاون الدولي نفسه.

الفراغ السياسي، بهذا المعنى، ليس فجوةً إجرائية في الدبلوماسية، بل أزمة بنيوية في النظام الدولي. فالعالم لا يفتقر اليوم إلى الأدوات النظرية لإدارة الصراعات؛ هناك مجلس أمن، وأمم متحدة، ومحاكم دولية، ومؤسسات إغاثة، ووساطات إقليمية، وتحالفات كبرى، وآليات عقوبات، وشبكات تمويل، وقنوات اتصال مفتوحة ومغلقة.

لكن المعضلة أن هذه الأدوات لم تعد تتحرك ضمن تصور مشترك للشرعية أو الأولوية أو الخطر. القوى الكبرى نفسها، التي كانت لعقود تؤسس لمعادلات الردع والتوازن، باتت جزءًا من الاستقطاب الذي يشل القرار ويحوّل كل أزمة إلى ساحة اختبار نفوذ.

لذلك لا يكون الفراغ السياسي هو غياب الفاعلين، بل فائضهم غير المنسق؛ ولا يكون ناتجًا عن الضعف فقط، بل أحيانًا عن تضخم القوة إلى درجة تمنع أي طرف من قبول تسوية لا تبدو انتصارًا كاملاً.

هنا تفقد السياسة وظيفتها الأصلية بوصفها فن التسويات الممكنة، وتتحول إلى إدارة صلبة للمواقف القصوى، فيصبح العالم شديد الحضور عسكريًا، شديد الغياب سياسيًا.

وتبدو غزة المثال الأوضح على هذا التوصيف. فهناك، لم تكن المشكلة الأساسية فقط في حجم الدمار الإنساني أو امتداد الحرب، بل في العجز المزمن عن إنتاج إطار سياسي حاسم يوقف الانحدار.

مجلس الأمن نجح من قبل في إصدار قرار يطالب بوقف إطلاق النار، لكن تطبيق القرار ظل مرتهنًا بميزان القوى أكثر من كونه محكومًا بإلزامية القانون، وبعد ذلك استمر التآكل: تحذيرات إنسانية متكررة، تضييق على وكالات الإغاثة، أزمة تمويل مزمنة، ومخاوف معلنة من انهيار وكالة الأونروا نفسها، فيما شدد مفوضها العام قبيل مغادرته على أن انهيارها يهدد الحقوق الفلسطينية والاستقرار الإقليمي ويقوض أي خطة سياسية مستقبلية لغزة.

وعندما تصبح المؤسسة الإنسانية الأخيرة القادرة على الإمساك بخيوط المجتمع مهددة بالسقوط، فإن ذلك لا يعبّر فقط عن أزمة إغاثية، بل عن فراغ سياسي شامل: فراغ في الرؤية لما بعد الحرب، وفراغ في تعريف من يحكم ومن يعيد البناء ومن يضمن الأمن ومن يملك الشرعية.

في أوكرانيا، يتخذ الفراغ السياسي شكلًا مختلفًا لكنه لا يقل خطورة. فالحرب هناك ليست متروكة بلا وساطات أو اتصالات، بل تعاني من وفرة مسارات جزئية وعجز عن الوصول إلى تسوية جامعة. المحادثات تُستأنف ثم تتعثر، والهدنات الموضعية تُطرح ثم تُخرق، والضغوط الاقتصادية والعسكرية تتراكم من دون أن تنتج نهاية سياسية متماسكة. وقد أظهرت التطورات في مارس 2026 أن محادثات السلام دخلت «توقفًا ظرفيًا» مع تحوّل انتباه واشنطن إلى حرب الشرق الأوسط، قبل أن تُستأنف لقاءات جديدة بين وفود أمريكية وأوكرانية. هذه الصورة وحدها تكشف هشاشة البنية السياسية المحيطة بالأزمة: حرب أوروبية كبرى يمكن أن تتراجع أولويتها الدبلوماسية لأن أزمة أخرى انفجرت في مكان آخر.

ليست المشكلة هنا في انعدام الجهد، بل في غياب هندسة سياسية مستقرة قادرة على حماية التفاوض من تقلبات الأجندة الدولية، وحين تصبح الحرب قابلة للتأجيل على جدول الوساطة لا على الأرض، نكون أمام فراغ سياسي يطيل أمد النزاع أكثر مما يطيله السلاح نفسه.

أما السودان، فهو يكشف الوجه الأكثر قسوة لهذا الفراغ: أن يخرج بلد بحجم السودان من قلب الوعي الدولي إلا بوصفه رقمًا إنسانيًا متضخمًا، وفق المعطيات الأممية لعام 2026، يظل السودان البلد الذي يضم أكبر عدد من المحتاجين للمساعدة في العالم، إذ يحتاج 33.7 مليون شخص إلى المساعدة، مع ما لا يقل عن 11.5 مليون نازح ولاجئ وعائد، في واحدة من أعقد أزمات النزوح والانهيار المؤسسي المعاصرة. غير أن هذه المأساة، على اتساعها، لم تُنتج حتى الآن إطارًا سياسيًا دوليًا نافذًا يستطيع فرض وقف دائم للنار أو مسارًا انتقاليًا ملزمًا أو ضغطًا منسقًا يرفع كلفة استمرار الحرب على أطرافها.

والنتيجة أن الأزمة تُدار إنسانيًا بقدر ما تُهمل سياسيًا، وكأن العالم قرر أن يموّل البقاء على قيد الحياة بدل أن يفرض شروط إنهاء الحرب. هذا بالضبط هو الفراغ السياسي في صورته العارية: حين تتقدم شاحنات الإغاثة، إن تقدمت، بينما تتأخر السياسة سنوات عن موعدها.

وفي هايتي، تتخذ الظاهرة شكلًا آخر: دولة لا تنهار دفعة واحدة، بل تتآكل مؤسساتها تدريجيًا حتى تصبح مهمتها الأساسية النجاة من نفسها. مجلس الأمن مدّد مطلع 2026 ولاية مكتب الأمم المتحدة المتكامل في هايتي لعام إضافي، فيما ما زال بناء القوة الدولية الداعمة للأمن يتم ببطء شديد، إلى درجة أن مساهمات معلنة لم تصل بعد إلى أرض الواقع إلا جزئيًا، رغم توسعة المهمة إلى قوة مدعومة أمميًا يفترض أن تبلغ 5500 عنصر بحلول أكتوبر.

إن وجود بعثة سياسية أممية مع قوة أمنية دولية متعثرة لا يعني أن المجتمع الدولي غائب، لكنه يدل على أن حضوره لا يرتقي إلى مستوى الحسم. هناك إدارة للأزمة، لا حل لها؛ ترميم للهامش الأمني، لا إعادة بناء للمركز السياسي. وهايتي هنا ليست استثناءً منعزلًا، بل نموذجًا صريحًا لكيفية تحوّل الشرعية الدولية من مشروع لإعادة تأسيس الدولة إلى آلية لتأجيل سقوطها الكامل.

ما الذي يخلق هذا الفراغ، إذن؟ أول الأسباب هو انهيار التوافق بين القوى الكبرى حول معنى النظام نفسه. فعندما تصبح المؤسسات متعددة الأطراف ساحة اشتباك بين أعضائها الدائمين بدل أن تكون أداة لتنظيم خلافاتهم، يفقد النظام قدرته على التدخل الحاسم.

الأمين العام للأمم المتحدة قال بوضوح في 2024 إن مجلس الأمن ربما تعرض لـ«تقويض قاتل» بسبب جمودِه إزاء غزة وأوكرانيا، وأنه أصبح عاجزًا عن التحرك في أخطر قضايا السلم والأمن.

وبعد ذلك بعامين، لم يتحسن المشهد جذريًا؛ بل إن خطاب قيادة الأمم المتحدة صار أكثر مباشرة في التحذير من تآكل القانون الدولي ومن اختبار متزايد لصمود التعددية نفسها. المشكلة هنا ليست إجرائية، بل سياسية خالصة: من يملك الفيتو يملك أيضًا القدرة على تعطيل تحويل الشرعية إلى فعل، وبذلك يتحول النظام من ضابط للأزمات إلى مرآة لانقسامها.

السبب الثاني هو انتقال مركز الثقل من “حل النزاعات” إلى “إدارة التداعيات”. ولعل أخطر ما في المرحلة الراهنة أن المؤسسات الإنسانية باتت مطالبة بملء فراغ ليست مؤهلة أصلًا لسده. الأمم المتحدة خفضت أصلًا نداءها الإنساني لعام 2026 رغم ارتفاع الاحتياجات إلى مستويات غير مسبوقة، في ظل تراجع التمويل إلى أدنى مستوى خلال عقد، فيما حذّر الأمين العام في يناير من خطر “انهيار مالي وشيك” للمنظمة نفسها. وفي الوقت نفسه، أعادت الولايات المتحدة هيكلة جهازها الخارجي للمساعدات بعد تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، لتنشئ مكتبًا جديدًا يركز على الاستجابة للكوارث والمصالح الاستراتيجية أكثر من التنمية طويلة المدى. كل هذا يعني أن العالم لا يواجه فقط كثرة أزمات، بل يواجه أيضًا انكماشًا في البنية المالية والمؤسسية التي تُبقي السياسة الدولية قادرة على التنفس. عندما تضيق الموارد وتتراجع القدرة على التخطيط، تتقلص السياسة إلى ردود فعل، ويصبح إطفاء الحريق أهم من البحث عمّن أشعله وكيف يُمنع تكراره.

السبب الثالث هو صعود منطق الحرب المفتوحة بوصفه بديلًا عن التسوية المؤقتة. فالصراعات لم تعد تُدار على قاعدة “تحقيق مكسب ثم الذهاب إلى الطاولة”، بل على قاعدة “إدامة الضغط حتى الإنهاك الكامل للخصم”. هذا ما يظهر في حروب متعددة من الشرق الأوسط إلى أوروبا إلى أفريقيا. ومع اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير 2026، لم تتسبب الأزمة فقط في توسيع رقعة الاشتعال الإقليمي، بل عطلت أيضًا ممرات المساعدات إلى أزمات أخرى، بينها غزة والسودان، وأربكت سلاسل الإمداد العالمية، بحسب تحذيرات الأمم المتحدة وتقارير ميدانية. هنا يصبح الفراغ السياسي عابرًا للحدود: أزمة واحدة لا تبقى داخل حدودها، بل تستهلك الانتباه والموارد والمبادرات التي كانت متجهة أصلًا إلى أزمات أخرى. وبهذا المعنى، لا يُقاس الفراغ فقط بما يغيب عن أزمة بعينها، بل بما تسحبه كل أزمة كبرى من الأوكسجين السياسي من حولها.

ثمة سبب رابع أكثر عمقًا، هو أن الشرعية الدولية نفسها فقدت كثيرًا من قدرتها الردعية ، فالقانون لا ينهار فقط حين يُنتهك، بل حين يعتاد العالم على انتهاكه من دون كلفة متناسبة. وقد لخّص غوتيريش ذلك بصورة صادمة حين قال إن تآكل القانون الدولي لم يعد يجري في الظل، بل على الشاشات، “مباشرة وبدقة” . هذا الوصف ليس بلاغة فقط؛ إنه تشخيص لعصر يُشاهَد فيه القصف والقتل والتجويع والحصار والنزوح لحظة بلحظة، من دون أن يؤدي ذلك تلقائيًا إلى ولادة قرار سياسي أكثر حسماً.

لقد كان يُفترض أن تؤدي كثافة التوثيق إلى رفع كلفة الإفلات من العقاب، لكن ما حدث في كثير من الحالات هو العكس: وفرة الصور أنتجت نوعًا من التطبيع مع المأساة، وكأن العنف حين يصبح مرئيًا باستمرار يفقد بعض قوته الأخلاقية على تحريك القرار. وهكذا ينشأ فراغ سياسي جديد: العالم يرى أكثر، لكنه يفعل أقل.

ومن العلامات الفارقة لهذا الفراغ أيضًا تراجع “السياسة الوقائية”. فالنظام الدولي يتدخل غالبًا بعدما تنفجر الأزمة، لا قبلها؛ يفاوض على الممرات حين تنهار المدن، لا على الترتيبات التي تمنع انهيارها؛ يرسل مراقبين بعد تشقق الدولة، لا حين تبدأ مؤسساتها بالتآكل. هذا الفشل الوقائي ليس ناتجًا عن قلة المعلومات، بل عن ضعف الحافز السياسي للتصرف المبكر.

الجميع يعرف أن منع الحرب أرخص من إدارتها، وأن بناء الدولة أقل كلفة من احتواء انهيارها، وأن تمويل التنمية أكثر فاعلية من مضاعفة موازنات الإغاثة لاحقًا، لكن السلوك العملي للقوى الكبرى يسير غالبًا بعكس هذه المعرفة. لذلك تتكرر الحلقة نفسها: تجاهل مبكر، انفجار مفاجئ، استجابة إنسانية واسعة، ثم مفاوضات متأخرة على أنقاض واقع جديد. في كل مرة، تخرج السياسة متأخرة خطوة، ويخرج العنف متقدمًا خطوتين.

ولا يقل خطورة عن ذلك تحوّل “الوسطاء” أنفسهم إلى أطراف حسابية لا أطراف تسوية. في حقب سابقة، كان بعض الفاعلين الدوليين أو الإقليميين قادرين على لعب دور الوسيط لأن لديهم مسافة نسبية من طرفي النزاع، أو لأنهم يملكون من الأدوات ما يكفي لفرض تنازلات متبادلة.

أما اليوم، فإن كثيرًا من الوسطاء المحتملين باتوا إما منحازين بنيويًا، أو محدودي النفوذ، أو مقيدين بتحالفات داخلية وخارجية تمنعهم من الذهاب بعيدًا في فرض الحلول. لذلك نرى وساطات كثيرة، لكننا نرى اختراقات قليلة. إن كثرة الوسطاء لا تعني وجود سياسة، كما أن كثرة القمم لا تعني وجود قرار. في أحيان كثيرة، تصبح الوساطة نفسها جزءًا من إدارة الوقت، لا جزءًا من صناعة النهاية. ومن هنا يكتسب الفراغ السياسي بعده الحقيقي: ليس فقط أن أحدًا لا يقرر، بل أن كثيرين يتكلمون من دون أن يمتلكوا القدرة أو الإرادة لتحويل الكلام إلى هندسة استقرار.

غير أن أخطر ما يخلّفه الفراغ السياسي ليس استمرار الأزمات الحالية فحسب، بل إنتاج أزمات لاحقة أكثر تعقيدًا. فحين يطول النزاع بلا أفق، تتغير البنية الاجتماعية والاقتصادية والنفسية للمجتمعات المنكوبة. في غزة، يترافق الخطر الإنساني مع خطر انهيار البنية المدنية التي قد تقوم عليها أي تسوية مستقبلية. وفي السودان، تتحول الحرب من صراع على السلطة إلى بيئة خصبة للتشظي طويل الأمد والانفصال الفعلي لمراكز السيطرة.

وفي هايتي، يصبح الأمن المؤقت بلا مشروع سياسي وصفةً دائمة لتكاثر العصابات لا لتفكيكها. وفي أوكرانيا، يهدد طول الحرب بتحويل التعايش مع الاستنزاف إلى بديل عن السلام. هنا يتبدى الفراغ السياسي باعتباره مولّدًا للمستقبل المأزوم: فهو لا يجمّد الكارثة، بل يعيد إنتاجها في صورة أكثر رسوخًا وأشد استعصاءً على الحل.

ولذلك، فإن السؤال الملح ليس إن كان العالم يعيش فراغًا سياسيًا، بل كيف يمكن كسره. البداية ليست في إنتاج خطاب أخلاقي إضافي، بل في استعادة ثلاث مسلمات غابت عن سلوك النظام الدولي. أولاً، أن الشرعية بلا كلفة تنفيذية تتحول إلى نص تربوي لا إلى أداة حكم. ثانيًا، أن الإغاثة لا يمكن أن تكون بديلًا عن السياسة مهما اتسعت، لأنها تحفظ الجسد من الموت ولا تحفظ الدولة من الانهيار، وثالثًا، أن الأزمات لا تُدار على حدة في عالم مترابط؛ فتعطل التفاوض في أوكرانيا بفعل حرب الشرق الأوسط، واضطراب الإغاثة في السودان وغزة بسبب الحرب على إيران، وتراجع التمويل العالمي بفعل إعادة ترتيب الأولويات الأمنية، كلها تؤكد أن الفراغ السياسي أصبح بنية عالمية متداخلة لا أعطابًا محلية منفصلة.

إن كسر هذا الفراغ يقتضي، قبل كل شيء، إعادة تعريف النجاح الدولي. فالنجاح ليس إصدار بيان جديد، ولا عقد مؤتمر إضافي، ولا تدوير مفاوضات من دون سقف زمني، بل بناء قدرة فعلية على فرض وقف النار حين يلزم، وضمان التمويل حين ينهار، وربط الإغاثة بمسار سياسي واضح، ورفع كلفة التعطيل على القوى التي تستخدم المؤسسات الدولية كمنصة تعطيل لا كأداة حل. كما يقتضي الاعتراف بأن إصلاح مجلس الأمن، وإصلاح بنية التمويل الأممي، وإعادة الاعتبار للمسارات الوقائية، لم تعد قضايا نظرية أو مؤجلة، بل شروطًا أولية لبقاء الحد الأدنى من المعنى في النظام الدولي. وقد قال الأمين العام صراحة إن إصلاح المؤسسات المالية والتجارية الدولية “ليس مهمًا فقط، بل أساسيًا”، وإن الأمر نفسه ينطبق على مجلس الأمن. تلك ليست لغة إصلاح تجميلي، بل لغة تحذير من أن استمرار الامتيازات القديمة صار نفسه جزءًا من الأزمة.

في النهاية، ليست الأزمات الدولية الكبرى اليوم بلا سياسة تمامًا؛ بل فيها من السياسة ما يكفي لإشعالها، وليس فيها ما يكفي لإطفائها. هذه هي المعضلة. فالفراغ السياسي لا يعني العدم، بل يعني هيمنة سياسة ناقصة: سياسة ردع بلا تسوية، وسياسة نفوذ بلا شرعية، وسياسة إغاثة بلا حل، وسياسة بيانات بلا قرار. وفي عالم من هذا النوع، لا تصبح الحروب مجرد انقطاع عن النظام، بل تصبح أسلوبًا بديلاً لإدارته. ذلك هو أخطر ما تكشفه لحظتنا الراهنة: أن العالم لا ينهار لأنه بلا مؤسسات، بل لأنه يمتلك مؤسسات أكثر مما يملك إرادة لاستخدامها في الوقت المناسب وبالقدر الكافي.

وحين يتكرر ذلك من غزة إلى الخرطوم، ومن كييف إلى بورت أو برنس، فإن المسألة لم تعد تخص أزمات متفرقة، بل تخص الفراغ الذي يتمدد في قلب السياسة الدولية نفسها. وإذا لم يُملأ هذا الفراغ بقرار، ورؤية، وشرعية، وقدرة على الفعل، فلن يكون السؤال المقبل كيف تُحل الأزمات، بل أي أزمة ستكون التالية في طابور الانتظار الطويل أمام عالم يعرف كل شيء تقريبًا، إلا كيف يقرر في الوقت المناسب.