
في المشهد السياسي الراهن، لم يعد الكفيل السياسي مجرد مفهوم هامشي أو ثانوي، بل أصبح شرطًا أساسيًا لأي شخص يطمح في أن يكون له حضور سياسي حقيقي، الكفيل السياسي هو ذلك الشخص ذات النفوذ التي تتبنى الطامحين وتمنحهم غطاءً سياسيًا، يمكنهم من الظهور، والتأثير، وربما التقدم نحو المناصب والمواقع القيادية.
الكفيل السياسي لا يقتصر على الدعم المعنوي أو التوجيه، بل هو منظومة متكاملة من الرعاية، تشمل الحماية، التمويل، والتسويق السياسي، بدون هذا الكفيل، يصبح الطموح السياسي في كثير من الأحيان حلمًا مؤجلًا، لأن الواقع لا يعترف بالأصوات الحرة غير المدعومة، ولا يلتفت كثيرًا للكفاءات التي لا تنتمي إلى دوائر النفوذ.
الشخص الذي لا يملك كفيلًا سياسيًا، حتى وإن امتلك الرؤية والقدرة، يبقى غير مرئي في الفضاء العام، لا يجد منبرًا يعبر من خلاله، ولا يُستضاف في النقاشات الكبرى، ولا تُفتح أمامه أبواب الإعلام أو دوائر القرار.
باتت الساحة السياسية تُدار ضمن توازنات محسوبة، يُمنح فيها الظهور والتقدم لمن يحظى بثقة ورعاية من هم في مواقع السيطرة، بعض هؤلاء الكفلاء من الشخصيات السياسية المخضرمة، وبعضهم من رجال الأعمال المتصلين بمراكز القرار، وغيرهم من رموز المؤسسات المؤثرة، وفي كل الحالات، أصبح من شبه المستحيل اختراق المشهد السياسي دون المرور عبر أحد هذه “البوابات”.
وهكذا، لم تعد السياسة ساحة للتنافس الحر، بقدر ما أصبحت ساحة للولاءات والعلاقات الشخصية، من يمتلك شبكة من العلاقات ومن يرعاه أحد “الكبار”، يستطيع أن يتحرك ويصنع لنفسه اسمًا، أما من يحاول الاعتماد على نفسه فقط، فغالبًا ما يُقصى أو يُحجم.
الواقع السياسي اليوم يفرض على أي شاب أو ناشط أو حتى أكاديمي يطمح إلى التأثير، أن يسأل نفسه، من سيكون كفيلي السياسي؟ وإذا لم يجد الإجابة، عليه أن يدرك أنه يسير في طريق وعر، محفوف بالعزلة والتجاهل.
ولذلك، فإن كثيرًا من الطاقات الشابة والمواهب الصاعدة تذبل قبل أن تصل إلى مكانها الطبيعي، لا لشيء سوى لأنها لم تجد من “يتبناها”، وفي هذا السياق، قد لا يشعر بها أحد، وكأن الأرض نفسها لا تعترف بوجودها.
تكرّس هذه المعادلة نمطًا خطيرًا، تتحول فيه السياسة إلى لعبة مغلقة لا يلعبها إلا من يمتلك الحظوة، لا من يمتلك الرؤية، وهذا ينعكس على نوعية الخطاب السياسي، وتركيبة النخب، بل ومستوى الأداء العام، لأن الاختيار لا يتم بناءً على الكفاءة، بل على مقدار القرب من دوائر النفوذ.
وهو ما يفتح تساؤلًا جوهريًا.. هل تحولت السياسة إلى ما يشبه “نظام الكفالة”؟ وهل باتت الموهبة والقدرة غير كافيتين لضمان الوجود في الفضاء العام؟
لا تزال هناك مساحات للأمل، تُبنى على وعي متزايد لدى شريحة من الشباب، ورغبة في استعادة السياسة كمساحة مفتوحة للمنافسة الشريفة، وربما، مع الوقت، تتغير المعادلة، وتتحول السياسة من لعبة كفالة إلى ساحة عادلة تحترم الكفاءات وتُعلي من شأن العمل الجماعي والمصلحة العامة.
الكفيل السياسي اليوم هو مفتاح الدخول إلى عالم السياسة، ومن لا يمتلك هذا المفتاح، يُترك في الظل، مهما بلغت قدراته، وفي هذا الواقع، تصبح “الرعاية” شرطًا، والصوت الحر استثناء، لكن لا شيء يبقى على حاله، فالسياسة يجب أن تُبنى على المشاركة، لا على الكفالة.








