Wednesday، 04 March 202610:54 AM
آراء حرة

اللواء دكتور رضا فرحات يكتب: مصر وقمة العشرين.. لحظة تاريخية تعيد صياغة دور القاهرة في الاقتصاد العالمي

الخميس، 04 سبتمبر 2025 02:59 مساءً
اللواء دكتور رضا فرحات يكتب: مصر وقمة العشرين.. لحظة تاريخية تعيد صياغة دور القاهرة في الاقتصاد العالمي
اللواء الدكتور رضا فرحات – محافظ الإسكندرية الأسبق – أستاذ العلوم السياسية
15

هناك لحظات لا تقاس بالزمن، بل تقاس بوقعها في الذاكرة الجمعية للشعوب وقمة العشرين التي انعقدت في القاهرة هي واحدة من تلك اللحظات، ولم تكن مجرد اجتماع دوري لقادة الاقتصاد العالمي، بل كانت شهادة ميلاد جديدة لدور مصر في رسم ملامح النظام الدولي، وإشارة إلى أن القاهرة لم تعد مجرد متلق للأحداث، بل صانعة لها وموجهة لمساراتها.

انعقاد القمة في العاصمة الإدارية الجديدة لم يكن اختيارا عابرا فالمكان نفسه يعكس فلسفة مصر في التحول: مدينة ولدت من رحم الطموح، تجسد مشروعا وطنيا يريد أن يواكب المستقبل دون أن يقطع مع التاريخ، وفي قاعاتها الحديثة، جلس ممثلو كبرى الاقتصادات العالمية ليتحاوروا، فيما كانت الجدران تروي قصة بلد استطاع أن يعبر من التحديات إلى الإنجازات.

والزمان بدوره ليس مصادفة فالعالم يمر بلحظة حرجة؛ أزمات اقتصادية، اضطرابات جيوسياسية، وتحديات تهدد الأمن الغذائي والمناخي، ووسط هذا المشهد المأزوم، جاءت القاهرة لتجمع الأطراف المختلفة، مقدمة نفسها كأرض للحوار لا ساحة للصراع، كجسر يربط بين الشمال والجنوب، وبين الشرق والغرب.

قمة العشرين ليست مجرد طاولة نقاش حول النمو والإنتاج إنها منصة تحدد اتجاهات الاقتصاد العالمي لعقود قادمة وحين تعقد هذه القمة في مصر، فإن الرسالة واضحة: أن هذا البلد العربي الإفريقي بات رقما صعبا في المعادلة الدولية.

إنها لحظة تعكس مكانة إقليمية تتحول إلى وزن عالمي فاستضافة القاهرة للقمة تؤكد أن العالم ينظر إلى مصر باعتبارها شريكا موثوقا، قادرا على احتضان حوار الكبار وإدارة خلافاتهم بأعلى درجات الحياد والمسؤولية، وهذا البعد الاستراتيجي يمنح مصر قوة ناعمة إضافية، تضاف إلى رصيدها التاريخي والحضاري والسياسي.

ومع كل الرمزية السياسية، فإن للحدث بعدا اقتصاديا لا يقل أهمية فانعقاد القمة على أرض مصر يفتح أمامها آفاقا غير مسبوقة لجذب الاستثمارات، وتعزيز الشراكات، وبناء شبكات تعاون جديدة، المستثمر العالمي الذي تابع فعاليات القمة يرى بوضوح أن مصر ليست مجرد دولة نامية تبحث عن دور، بل دولة قادرة على استضافة أضخم المحافل وإدارة أدق الملفات، وهنا يتجلى عنصر الثقة، فالثقة الدولية في استقرار مصر وقدرتها على الإصلاح كانت الأساس الذي جعلها مرشحة لاحتضان هذا المحفل وهذه الثقة، حين تترجم إلى أرقام واستثمارات ومشروعات، ستنعكس على الاقتصاد المصري بإيجابيات ملموسة تفتح أبواب التنمية المستدامة للأجيال القادمة.

تاريخيا، عرفت مصر بأنها نقطة التقاء الحضارات، واليوم، تعود لتكون نقطة التقاء اقتصادات العالم، قمة العشرين على أرض القاهرة لم تجمع الدول الكبرى فقط، بل جمعت رؤى متباينة، ومصالح متشابكة، وتحديات مشتركة تبحث عن حلول، وفي هذا المعنى، يمكن النظر إلى مصر كجسر لا يربط فقط بين القارات بحكم موقعها الجغرافي، بل بين الأفكار أيضا، فهي الدولة التي تستطيع أن تفتح أبواب الحوار بين الشمال الصناعي والجنوب النامي، بين القوى التقليدية والاقتصادات الصاعدة، بين من يملكون الثروة ومن يبحثون عن العدالة.

الصور التي خرجت من القمة ستظل محفورة في الذاكرة العالمية: قادة وصناع قرار عالميون يجلسون تحت سقف واحد في القاهرة، يناقشون قضايا البشرية الكبرى، إنها صور تقول إن مصر لم تعد تكتفي بأن تكون شاهدة على التاريخ، بل أصبحت صانعة له، وهذا البعد الرمزي يضيف إلى رصيد مصر المعنوي، ويمنحها مكانة خاصة في النظام الدولي، فليس من السهل أن تتحول دولة من موقع “المتابع” إلى موقع “المستضيف”، ومن دور “المتأثر” إلى دور “المؤثر” لكن القاهرة فعلتها، وأثبتت أن إرادة البناء قادرة على تحويل الأحلام إلى واقع.

قد يظن البعض أن انتهاء القمة يعني انتهاء أثرها، لكن الحقيقة أن ما زرعته هذه اللحظة سيظل يؤتي ثماره لسنوات قادمة، فالتحالفات التي تبدأ على طاولة الحوار تنضج في شكل مشروعات وشراكات، والثقة التي اكتسبتها مصر ستترجم إلى استثمارات وفرص عمل وتنمية، والأهم أن مصر أرسلت رسالة إلى مواطنيها قبل أن ترسلها إلى العالم: أن ما نزرعه من جهد وإصلاح وتضحيات يجد صداه على الساحة الدولية، وأن صوت مصر مسموع حين تجلس مع الكبار، وأن الطريق إلى المستقبل مفتوح أمامها لتكون فاعلا أساسيا في صياغة الاقتصاد العالمي.

في النهاية ، لم تكن قمة العشرين في القاهرة مجرد حدث دولي، بل كانت علامة فارقة في رحلة وطن أعاد اكتشاف نفسه، وقدم للعالم صورة جديدة عن قدراته ومكانته، إنها لحظة تقول إن مصر قادرة على أن تجمع العالم حين يتفرق، وأن تقود الحوار حين يتعثر، وأن تكتب فصلا جديدا في كتاب الاقتصاد والسياسة العالمية.

لقد أثبتت القاهرة أن المستقبل ليس امتيازا للقوى الكبرى وحدها، بل هو حق لكل دولة تملك الإرادة والرؤية ومصر، وهي تستضيف قمة العشرين، أعلنت بوضوح أنها في قلب العالم، تصنع الحدث وتوجه المسار، وتفتح صفحة جديدة من صفحات المجد والتأثير.