Wednesday، 04 March 202602:49 PM
آراء حرة

اللواء دكتور رضا فرحات يكتب: وقف إطلاق النار في غزة .. انتصار للدور المصري

الثلاثاء، 19 أغسطس 2025 10:58 مساءً
اللواء دكتور رضا فرحات يكتب: وقف إطلاق النار في غزة .. انتصار للدور المصري
الدكتور رضا فرحات – نائب رئيس حزب المؤتمر
15

على حدود غزة، حيث تختلط أصوات الانفجارات بأنين الأطفال ودموع الأمهات، كانت القاهرة تفتح أبوابها وقلبها في آن واحد ومنذ اللحظة الأولى لأحداث السابع من أكتوبر والعدوان الإسرائيلي علي قطاع غزة تحركت مصر بدافع تاريخي وإنساني وسياسي لا يمكن الفكاك منه، ففلسطين بالنسبة لمصر ليست قضية جوار أو حدود فحسب، بل هي امتداد لروح الأمة، وصوتها الحي الذي لم يخفت مهما تبدلت الظروف.

في تلك الأيام الحالكة، حين كان العالم يكتفي ببيانات القلق، كانت القاهرة تطرق كل الأبواب، وتخوض معارك دبلوماسية لا تقل قسوة عن المعارك الميدانية، الرسائل المصرية حملت وضوحا لا يقبل اللبس: لا للتهجير القسري، لا لتصفية القضية الفلسطينية، لا لإسقاط حق الشعب في دولته المستقلة وهذه الثوابت التي رافقت كل تحرك رسمي مصري لم تكن مجرد شعارات، بل التزام وطني وعربي لا يتزعزع.

وربما كانت اللحظة الأبرز حين أعلنت حركة حماس موافقتها على وقف إطلاق النار وفق المقترح المصري، بدا المشهد كأن فلسطين بأكملها التقطت أنفاسها الأولى وبدا أن القاهرة نجحت في إعادة الأمل ولو لبرهة، ذلك الإعلان لم يأت من فراغ، بل كان حصيلة جهود مضنية قادتها مصر عبر مفاوضات ماراثونية واتصالات معقدة، أدارها دبلوماسيون مصريون بخبرة وحكمة، واضعين نصب أعينهم حماية الأبرياء أولا.

لكن مصر لم تكتف بوقف نزيف الدم، بل مدت يدها إلى غزة بوجه إنساني آخر، شاحنات الإغاثة التي عبرت رفح لم تكن مجرد مساعدات غذائية أو طبية، بل كانت رسائل محبة وصمود، تقول للفلسطينيين: لستم وحدكم، صور الأطباء المصريين وهم يستقبلون الجرحى على أسرة المستشفيات لم تكن عابرة، بل شكلت امتدادا طبيعيا لموقف دولة ترى أن الدفاع عن الحياة لا يقل قداسة عن الدفاع عن الحق.

المفارقة أن مصر تحركت وسط مشهد دولي مرتبك، حيث حاولت أطراف عدة القفز على القضية الفلسطينية عبر حلول ترقيعية أو طروحات مشبوهة تستهدف تفريغ الأرض من سكانها إلا أن الموقف المصري جاء حاسما، قاطعا الطريق أمام أي مشروع يهدف لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء أو غيرها، القاهرة قالتها بصوت واضح: أرض فلسطين لأصحابها، ولا أمن في المنطقة دون دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.

ولأن السياسة ليست فقط ما يجري خلف أبواب المفاوضات، فقد اختارت مصر أن تنقل صوتها إلى العالم بأسره ، استضافت مؤتمرات وقمم دولية، دعت إلى التهدئة وفتح المعابر، وأكدت أن القضية الفلسطينية لا تقبل الحلول الجزئية بهذا المعنى، تحولت القاهرة إلى منصة للضمير الإنساني، وإلى مركز ثقل سياسي لا يمكن تجاوزه.

ومع أن البعض قد يظن أن مجرد وقف إطلاق النار يكفي، إلا أن مصر تنظر إلى ما هو أبعد فهي تدرك أن التهدئة ليست سوى بداية، وأن الهدف الحقيقي يتمثل في إطلاق مسار سياسي جاد ينهي عقودا من المعاناة ويعيد للفلسطينيين حقهم المشروع فوقف العدوان إنجاز، لكن الإنجاز الأكبر هو تثبيت حل الدولتين باعتباره الطريق الوحيد نحو الاستقرار الإقليمي.

المشهد إذن يتجاوز السياسة التقليدية نحن أمام قصة إنسانية وسياسية في آن واحد قصة دولة ترى في فلسطين جزءا من كيانها، وفي معاناة غزة جرحا لا يندمل إلا بالعدل، حين حملت مصر على عاتقها ملف وقف إطلاق النار، كانت في الواقع تحمل رسالة أكبر: أن الحق لا يضيع ما دام هناك من يحمله، وأن العروبة ليست شعارا بل ممارسة يومية حين تحين اللحظة.

اليوم، ومع توقف القصف ولو مؤقتا، تتطلع العيون إلى المستقبل الفلسطينيون يريدون ضمانات، والعالم يتساءل عن الخطوة التالية، لكن مصر تظل على موقفها: لا سلام بلا دولة فلسطينية، ولا أمن بلا عدالة، ولا مستقبل دون إنهاء الاحتلال، تلك الكلمات التي تبدو بسيطة هي في الحقيقة جوهر السياسة المصرية، وهي البوصلة التي تحرك دبلوماسيتها في كل اتجاه.

لقد برهنت مصر أن قوتها الحقيقية ليست فقط في جيشها أو موقعها الجغرافي، بل أيضا في قدرتها على صناعة التوازن وسط العواصف فمنذ اتفاقيات السلام وحتى اليوم، ظلت القاهرة تملك مفتاح التأثير، لأنها تتحرك من منطلق أخلاقي وتاريخي، لا من منطلق مصالح ضيقة لهذا تحظى بثقة الأطراف جميعا، ولهذا أيضا نجحت في أن تكون صاحبة المبادرة التي أوقفت النار.

وفي النهاية، يمكن القول إن القاهرة لم تكتب فصلا جديدا في كتاب القضية الفلسطينية فقط، بل أكدت للعالم أن دورها لم ولن يغيب فكلما تعالت أصوات الحرب، ارتفع صوت مصر داعيا إلى السلام العادل، وكلما حاولت قوى خارجية فرض حلول منقوصة، جاءت القاهرة لتذكر الجميع بأن الحقوق لا تقبل التجزئة وهذا هو سر المكانة المصرية التي لا ينافسها فيها أحد.

إن موافقة حماس على وقف إطلاق النار بوساطة مصرية لم تكن مجرد خبر في نشرات الأخبار، بل لحظة فارقة كشفت أن مصر لا تزال تمسك بالخيوط الكبرى، وأنها تبقى دوما صوت العقل في زمن يعلو فيه ضجيج السلاح ومن هنا، ستظل مصر حاضرة، تحمي الحق الفلسطيني وتمنع تصفية قضيته، وترسم طريقا نحو مستقبل عادل يحفظ الكرامة والأمن والسلام.