Wednesday، 04 March 202601:19 PM
آراء حرة

اللواء طارق جمعة يكتب: جماعة حسم في زمن الانقسام الإخواني.. من يدير الدفّة في الظل؟.. قراءة في تحولات القرار داخل الجماعة وانعكاسها على الأذرع المسلحة

الخميس، 24 يوليو 2025 01:55 مساءً
اللواء طارق جمعة يكتب: جماعة حسم في زمن الانقسام الإخواني.. من يدير الدفّة في الظل؟.. قراءة في تحولات القرار داخل الجماعة وانعكاسها على الأذرع المسلحة
لواء دكتور طارق جمعة – باحث فى شئون الارهاب والأمن الاقليمى بمعهد شئون الأمن العالمى والدفاع
15

عادت حسم الاسم الذي ارتبط في الذاكرة المصرية بسلسلة من الاغتيالات والمحاولات النوعية إلى العناوين الإخبارية مؤخرًا لكن ليس من خلال عملية كما في السابق  بل عبر مخطط تم إحباطه قبل أن يُنفّذ ورغم أن الخبر يحمل جديدًا من حيث النتائج إلا أنه يوقظ سؤالًا ظل مؤجلًا :—

من يقف خلف هذه التحركات اليوم؟.. وهل ما زال هناك من يملك القرار داخل الجماعة الأم؟ أم أن حسم باتت كيانًا هائمًا يستخدمه من يشاء لتحقيق ما يشاء في توقيتات لم تعد تُفسَّر بالسياق المحلي فقط؟

الإخوان ما بعد السقوط.. بنية تتآكل

منذ لحظة سقوط حكم الإخوان في مصر دخل التنظيم منعطفًا جديدًا لم يعرفه منذ نشأته الضربات الأمنية المتتالية تجميد الأموال القبض على القادة والملاحقة القانونية كلّها عوامل أدت إلى تآكل البنية الهرمية ودخول الجماعة في نزاع داخلي بين الرمزية التاريخية والفعالية الواقعية من إسطنبول إلى لندن ومن كوالالمبور إلى الدوحة توزّعت مراكز القرار وانفرط العقد الداخلي وتحوّلت الجماعة إلى جُزر متنازعة لا يجمعها سوى الاسم بينما تختلف في التمويل والخطاب والتحالفات .

في هذا السياق .. لم يكن مفاجئًا أن تُترك الأذرع المسلحة مثل  حسم دون قيادة حقيقية أو أن تتحوّل – تدريجيًا – إلى أدوات مستقلة يتحكم فيها من يملك المال والمعلومات لا من يملك الشرعية التنظيمية

من حسم … إلى من تبقى من حسم

ظهرت حسم في 2016 كاستجابة مسلحة لحالة الانسداد السياسي التي عاشها التيار الإخواني في الداخل أاستهداف عناصر أمنية اغتيال شخصيات قضائية ضرب بنية الدولة في مفاصلها الحساسة… كلها مؤشرات على أن الجماعة كانت تحاول الضغط على الدولة من جهة والحفاظ على هيبتها أمام قواعدها من جهة أخرى، لكن مع مرور الوقت تبددت القدرة العملياتية وظهر واضحًا أن الحركة فقدت كثيرًا من عناصرها وقدراتها اللوجستية، الأهم من ذلك … فقدت غطاءها السياسي الداخلي وامتداداتها في الخارج.

لقد تحوّلت حسم تدريجيًا إلى مجرد اسم يستدعى حين يحتاج أحدهم لخلق أزمة أو إرسال رسالة… لكنها لم تعد الكيان نفسه الذي خطط له بعناية قبل سنوات.

خريطة القيادة الموازية.. وسيناريوهات الظل

من يدير حسم اليوم؟

هذا السؤال لا يطرح من باب الفضول بل من باب الفهم الضروري لمدى تهديدها الحقيقي وفي ظل غياب الشفافية التنظيمية داخل الإخوان

 هناك ثلاث سيناريوهات متداخلة :  –

1) الجناح الميداني المستقل

بعض القيادات الوسطي ممن مرّوا بتجارب الاعتقال أو الهروب يحملون قناعة راسخة بأن العمل السياسي لم يعد مجديًا هذه الفئة لا تنتظر إذنًا من قيادة لندن أو إسطنبول ولا تعبأ بخطاب التهدئة الذي يطرحه بعض رموز الخارج بل تسعى لإحياء أدوات الردع الرمزي حتى لو كانت محدودة التأثير

2)  بقايا البنية المسلحة

الذين تم تدريبهم في مراحل سابقة داخل مصر أو خارجها قد لا يزال بعضهم يحتفظ بخبرة تنظيمية وقدرة على التنفيذ

لكن دون تمويل .. ودون قرار سياسي داعم تبقى هذه التحركات مشتتة

والأخطر .. أن بعضها قد يكون قابلًا للاختراق أو التوظيف من جهات لا علاقة لها بالإخوان أصلًا

3) التوظيف الإقليمي أو الاستخباراتي

من غير المستبعد أن تُستخدم واجهات مثل حسم كأدوات في لعبة أكبر في لحظات التوتر الإقليمي قد تلجأ أطراف معينة إلى تحريك ملف الجماعات المسلحة كرسالة سياسية أو كورقة ضغط في ملفات مثل ليبيا غزة أو العلاقات الثنائية

4) التوقيت ليس بريئًا

تحرك حسم أو من تبقّى منها لا يأتي في فراغ سياسي  بل يتزامن مع لحظات حساسة، أبرزها:

– تنامي الحديث داخل الجماعة عن حلّها أو إعادة هيكلتها وهو ما ترفضه بعض التيارات التي ترى في ذلك خيانة للشرعية

– انخراط مصر في وساطات إقليمية حساسة لا سيما في الملف الليبي والحدود الجنوبية .. وقطاع غزة وهو ما قد يجعل من عودة حسم جزءًا من محاولة لخلق ارتباك داخلي أو استنزاف أمني

– حالة الركود الرمزي التي تعاني منها الجماعة أمام قواعدها حيث تعاني من تراجع الحضور الإعلامي .. والخطابي ما يدفع بعض أجنحتها للبحث عن لحظة إثبات وجود

العود بلا فعالية.. قراءة في الفشل المتكرر

فشل المخطط الأخير الذي أعلنت عنه الداخلية المصرية ليس الأول وربما لن يكون الأخير

لكن اللافت أن كل محاولة تجهض بسهولة ويُكشف عنها دون تكلفة أمنية أو اشتباك مباشر

هذا يُشير إلى مجموعة حقائق مهمة:

  • أن القدرة الأمنية على الرصد والتعقب أصبحت أكثر تعقيدًا ودقة
  • أن ما تبقى من حسم يعاني من هشاشة تنظيمية واضحة
  • أن سيناريو الاختراق الأمني الكامل لبعض الخلايا لم يعد مستبعدًا وقد تترك لتتحرك داخل دوائر مراقبة مُحكمة تستخدم عند الحاجة أو تُكشف حين تنضج رسائلها

بين حسم .. ولواء الثورة أين اختفى الآخرون؟

ليس من العبث أن تختفي كل الأذرع المسلحة التي ظهرت بعد 2013 باستثناء حسم

لواء الثورة على سبيل المثال اختفى دون إعلان ودون تصفية كاملة ما يرجح أنه توقف عن العمل طوعًا أو تم تفكيكه داخليًا بالمقابل فإن حسم احتفظت بالاسم لكنها فقدت البنية الحركية

السبب قد يكون رمزيًا … الاسم أقوى والأرشيف أوسع لكن من الزاوية الأمنية ما تبقى من حسم ليس سوى واجهة بلا عمق وصوت فقط .. تتحرك في هامش ضيق من الفاعلية

أي جيل مقبل؟ خطر ما بعد التنظيم

المؤشر الأخطر في كل ما سبق أن الجماعة – سواء اعترفت أم أنكرت – لم تعد قادرة على ضبط إيقاع جمهورها

ومع تآكل القيادة وتراجع الكوادر .. وتفكك التسلسل الهرمي تزداد احتمالات ظهور  جيل عنيف لا يلتزم بقرارات القيادة ولا ينتظر تعليمات هذا الجيل لا يرتبط بالضرورة بـ حسم لكنه قد يستدعيها فكريا

جيل تربّى على الهزيمة وفقد الثقة في الأدوات السياسية ويملك أدوات تكنولوجية غير مسبوقة وقد يتجه إلى العنف الفردي أو حتى إلى تحالفات هجينة مع جماعات أخرى لم تعد حسم كما كانت ولم تعد الإخوان كما كانت ولم يعد العنف كما كان التحول الحاصل في المشهد يتجاوز الأسماء ويتعلق بـمنطق التنظيم نفسه .. ومستقبل الحركات المؤدلجة في ظل عالم يزداد تفككًا وتشظّيًا

الخطر اليوم لا يأتي من قيادة خفية بل من – لا قيادة – تنتج تحركات مضطربة متسرعة

والسؤال الحقيقي لم يعد … من يدير الدفّة؟”

بل هل ما زالت هناك دفة أصلًا؟

وفى سياق متصل يبقى … مواصلة رصد التحولات داخل الجماعة وعدم التعامل مع الهدوء كدليل على الانتهاء .. بل كمقدمة لإعادة التموضع  .. التركيز على الخطاب الموجه إلى الفئات الشبابية داخل التيارات الإسلامية وتفكيك سرديات المظلومية والخيانة التنظيمية لأنها تمثل البيئة النفسية المثلى للعنف المقبل .