Wednesday، 04 March 202607:45 AM
آراء حرة

محمد أبو زيد يكتب.. أصحاب مدرسة “اللهم أهلك الظالمين بالظالمين”.. قبح الله وجوهكم

الإثنين، 23 يونيو 2025 06:14 مساءً
محمد أبو زيد يكتب.. أصحاب مدرسة “اللهم أهلك الظالمين بالظالمين”.. قبح الله وجوهكم
محمد أبوزيد
15

في زمن غابت فيه البوصلة عن كثير من القلوب والعقول، وانسحقت فيه الفطرة تحت ركام الطائفية، يخرج علينا نفر من الناس من المتنطعين والسلفيين، يرفعون شعارًا يحمل في ظاهره العدل والإنصاف، لكنه في حقيقته ضلال مبين، وفساد عقيدة واستدلال وفكر ومنطق، وهو شعار: “اللهم أهلك الظالمين بالظالمين”.

يرددونه منذ أن بدأت الحرب بين إيران وإسرائيل، وكأنهم على قمة جبل العدالة يوزعون صكوك الجنة والنار على الأمم.

أيها الغافلون الجاهلون المتنطعون ، لنتحدث بالعقل لا بالهتاف، بالميزان القرآني لا بالتحامل الطائفي.

ففي فجر الجمعة، باغتت إسرائيل إيران بضربة غادرة في عمق أراضيها، اغتالت فيها نخبة من قيادات الجيش والحرس الثوري وفيلق القدس، ثم جلست تترقب ردًا. لم تنتحب إيران، لم ترفع الشعارات، بل ردت في أقل من 24 ساعة، برد عسكري مباشر هز تل أبيب ذاتها، وأعاد تعريف معادلة الردع في المنطقة.

إيران وإسرائيل

فهل أساوي طهران التي أثلجت قلوبنا وشفت صدورنا، مع تل أبيب ومجرميها وسفاحيها؟

بين الروم وفارس… أيها المتدين الطائفي اقرأ القرآن

إن كنتم تتكلمون بالدين، فلنرجع إلى القرآن الكريم نفسه، إلى قوله تعالى:”الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُون * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ”.

 

كان الفرس آنذاك وثنيين، بينما كان الروم أهل كتاب. فحزن المسلمون لهزيمة الروم، وفرح مشركو مكة بانتصار الفرس لأنهم يشاركونهم عبادة الأصنام. ثم جاء وعد الله بنصر الروم، وفرح المؤمنون.

 

لم يفرح المسلمون يومها من باب العقيدة، فالروم كانوا مسيحيين ، بل من باب القرب النسبي للحق.

 

فإن كان المسلمون قد فرحوا بانتصار أهل كتاب على مشركين، فكيف لا نفرح اليوم بانتصار نسبي لدولة مسلمة (مهما اختلفت معنا في المذهب) على عدو مجرم يحتل أولى القبلتين، ويشرب من دماء أطفالنا، وأذاقنا كل أنواع الغدر والخسة والإجرام منذ فجر الإسلام؟ وليس منذ عام 48 فقط.

 

هل كفرنا يومًا العباسيين أو الأمويين؟

 

وهذا هو صراخكم القديم الجديد: “إيران شيعية، وفيها أناس يسبون الصحابة، وقتلت في سوريا مئات الآلاف”، وهذا كله صحيح.

 

فنحن لا نقدّس إيران، ولسنا وكلاء عنها، ولسنا عميانًا عن مآخذها… لكن حينما يسقط صاروخ إيراني فوق رؤوس الصهاينة في تل أبيب وحيفا وبئر السبع، لا يُسأل عن مذهبه. وحينما يُدك مقر الشاباك والموساد أو قاعدة نفاتيم، ويمحى معهد وايزمان من الوجود، لا يُسأل: هل أنت سني أم شيعي؟ كما لم يُسأل صلاح الدين الأيوبي عن نسبه الكردي حين فتح القدس.

ذلك الصاروخ ينتقم لغزة، ينتقم للأطفال الذين لم يُدفنوا بعد، ينتقم لأحلام تحت الأنقاض، وأرواح على الأرصفة.

أما أنتم، فأنتم تخاصمون من يرد على القاتل، لأن يده ليست من طائفتكم!

تحاسبون إيران على مذهبها، لا على موقفها السياسي أو فعلها العسكري، بينما تغضون الطرف عن السفاح الذي لا دين له ولا طائفة إلا القتل والخراب.

نعم، لإيران مآخذ، نعم هناك غلو ومجازر وملفات دامية في سوريا والعراق، نعم في صفوف الشيعة طوائف متطرفة، ولكن هل خلعنا يومًا الإسلام عن العباسيين أو الأمويين حينما قُتل بينهم مئات الآلاف؟ ألم تحدث مجازر دموية بين المسلمين أنفسهم عبر العصور، دون أن نكفر بعضنا البعض أو نساوي بين القاتل الصهيوني والخصم الطائفي؟

 

 

المقاومة لا تُقاس بالمذهب… بل بمن يقف معي في الخندق

 

في هذا الزمان الرديء، صار المعيار عند البعض: “من أي مذهب أنت؟”، لا “في أي خندق أنت؟”

 

ويا للمفارقة، حماس والجهاد والجناح العسكري لفتح وكل فصائل المقاومة في غزة، وهي حركات سنية خالصة، وأصحاب الأرض والقضية، لم يثنوا على أي دولة بعد معركة طوفان الأقصى كما أثنوا على إيران، وحزب الله، والحوثيين. لأن هؤلاء هم من ضحوا بأموالهم وأنفسهم، ومدّوا اليد والسلاح، ولم يقدّموا بيانات شجب على موائد التطبيع.

 

فهل أنتم أدرى أم أصحاب القضية؟ أم أنكم تبررون عجزكم الميداني، بتكفير كل من يواجه العدو نيابة عنكم؟

 

لو لم يكن لدى إيران إلا عقيدة المقاومة الصلبة ضد الكيان الصهيوني، لكان ذلك كافيًا لأن أصطف معها بالقلب، والعقل والدعاء، والكلمة، وبكل قوة وعزيمة.

بني إسرائيل في القرآن.. أفسد خلق والله

 

دعونا نذكّركم بشيء أعظم من المقالات، ألا وهو كلام الله عن بني إسرائيل.

لم يُفرد القرآن الكريم سطرا واحدًا للحديث عن الشيعة أو الفرس أو أي قوم آخرين، مثلما أفاض في وصف بني إسرائيل.

 

منذ البطن الأولى، خانوا يوسف عليه السلام، وسحلوه وهو نبي ابن نبي، عبدوا العجل، وتطاولوا على الله بجلاله وكماله وقالوا: “يد الله مغلولة”، وقالوا: “إن الله فقير”، وقتلوا أنبياءهم، زكريا بالمنشار، وابنه يحيى، وقتلوا عشرات الأنبياء والرسل، ووشوا بالمسيح.

 

والآن يقتلون أهل غزة بلا هوادة: 60 ألف شهيد في أقل من عامين، معظمهم من الأطفال والنساء، جثث متفحمة، أمعاء ممزقة، عظام على الأرصفة، وأنتم تساوون هذا العدو بخصمكم الطائفي؟ أي ميزان هذا؟ وأي منطق قرآني ذلك؟

 

 

إيران لم تكن يومًا ملاكًا… لكنها تقاتل العدو نفسه

 

قال تعالى: “قاتلوهم يعذّبهم الله بأيديكم ويُخزِهم وينصركم عليهم ويشفِ صدور قومٍ مؤمنين”

 

وهذا تحديدًا ما فعلته إيران، حين ردت على المعتدي لا على الأبرياء، حين نصرت غزة لا قتلتها، حين زلزلت تل أبيب لا بيروت، فلا تلبسوا على الناس دينهم، ولا تبيعوا المقاومة على مذبح الطائفية، ففي كل عصر كان هناك من يقاتل بسيف المبدأ، ومن يقاتل بسيف الحقد، ومن لا يقاتل أصلاً.

 

إيران لم تكن يومًا ملاكًا، لكن في هذه اللحظة من التاريخ، هي تقاتل العدو ذاته الذي يقتل أهلنا كل يوم.

 

لو كانت فطرتكم سليمة، وعقولكم يقظة، لعلمتم أن الحق لا يُقاس بالمذهب، بل بالفعل.

وأن النصرة لا تُبطلها العقيدة، بل يُعظمها الوقوف مع المظلوم.

وأن حذاء من يقف مع فلسطين، ويدفع دمه وماله وسلاحه، أشرف ألف مرة ممن يجلس في برجه العاجي يوزع صكوك الجنة والنار.