
يقف العالم على أطراف أصابعه منذ فجر يوم الجمعة الماضية، بعد الهجوم المفاجئ الذي أصابنا بدهشة، وحسرة، وصدمة، حينما وجدنا فجأة دولة الاحتلال الإسرائيلي في قلب إيران، تقتل أكبر قادتها العسكريين، وتغتال أهم علمائها، وتضرب بكل قوة مفاعلاتها النووية.
وما بين الحزن والانكسار، والفرحة والانبهار بالرد الإيراني الذي شفى غليلنا وأثلج صدورنا، هناك دروس عسكرية واستراتيجية للدول العربية والإسلامية، ظهرت بقوة في الأفق منذ فجر الجمعة وحتى تضع الحرب أوزارها. ومن بين أهم تلك الدروس – من وجهة نظري – ما يلي:
أماكن إقامة القادة العسكريين سرّ من أسرار الدولة
أماكن إقامة كبار القادة العسكريين، وكبار قادة الجيش في جميع الدول العربية والإسلامية، وعناوين بيوتهم، والأماكن التي يترددون عليها بصفة مستمرة، يجب ألا يعرفها أحد إطلاقًا، إلا في أضيق حدود ممكنة، وفي إطار شديد من السرية والكتمان. ويجب تغيير محال إقامتهم جميعًا من الآن.
لقد رأينا بأعيننا كيف اصطادت دولة الاحتلال الإسرائيلي رئيس أركان الجيش الإيراني، وهو أعلى سلطة عسكرية في البلاد، بالإضافة إلى أكبر قيادات الحرس الثوري، وقادة القوات الجوية، وقادة الاستخبارات في الحرس الثوري، وهم نائمون في بيوتهم.
وليس من المستبعد إطلاقًا أن يكون الموساد وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية لديهم قائمة بعناوين وأماكن إقامة كبار القادة العسكريين في جميع الدول العربية والإسلامية المهمة.
الصفوف الثانية والثالثة ضرورة وجودية
من الدروس المهمة جدًا أن على كل الدول العربية والإسلامية أن تضع في اعتبارها ضرورة وجود صف ثانٍ وثالث ورابع وخامس وسادس من القادة العسكريين ومن علماء الذرة، يمتلكون نفس الخبرة والكفاءة ومقدار المعلومات التي يمتلكها الصف الأول.
العراق، حينما قصفت إسرائيل مفاعله النووي في أوائل الثمانينات وقتلت عددًا من علماء الذرة العراقيين، انتهى مشروعه النووي للأبد.
أما في إيران، فالوضع كان مختلفًا تمامًا؛ إسرائيل قتلت أكبر قيادات عسكرية في الدولة وأكبر علماء الذرة في الضربة الأولى فجر الجمعة، وبعدها بـ14 ساعة فقط، ردّت إيران بضربات غير مسبوقة في تاريخ الكيان الصهيوني، بشكل أذهل العالم.
الضربة التي تعرضت لها إيران كانت كفيلة بإسقاط دول وأنظمة، ولكن طهران ما زالت تقف على قدميها، ترفع شعار: “هتضرب، هنضرب… هتولّع، هنولّع!”
لا تضع البيض كله في سلة واحدة
من الأمور بالغة الأهمية التي كشفتها هذه الحرب، أنه يجب على صناع القرار في الدول العربية والإسلامية ألا يضعوا البيض كله في سلة واحدة، وألا يجمعوا كل الوزارات والهيئات والمؤسسات الهامة، خاصة الوزارات السيادية، في مكان واحد.
ففي حال نشوب حرب أو مواجهة عسكرية، لن يحتاج العدو سوى لضربة واحدة مفاجئة يقضي فيها على كل مؤسسات الدولة المهمة، طالما أنها موجودة في مكان واحد.
العمالة الهندية… خطر أمني صامت
كل دول الخليج بلا استثناء تعتمد على العمالة الهندية، والهنود متغلغلون في الجهاز الإداري بشكل مثير للغاية في الخليج بأكمله. وهذا خطر ما بعده خطر.
لقد تناثرت أخبار تؤكد أن معظم عملاء الموساد داخل إيران، والذين أقاموا قاعدة عسكرية للطائرات المسيرة داخل طهران، يحملون الجنسية الهندية، وكانوا يقيمون في إيران لفترات طويلة بشكل طبيعي، دون أن تثار حولهم أي شبهات.
الهند، في عصر مودي الهندوسي المتطرف، أصبحت أقرب إلى إسرائيل دينيًا وعسكريًا وسياسيًا. فنيودلهي وتل أبيب عدوهما واحد: الإسلام.
وأرى أنه من الواجب على أجهزة الاستخبارات والأجهزة الأمنية في الدول العربية والإسلامية الكبرى، أن تراجع ملفات الأجانب الذين يقيمون لفترات طويلة على أراضيها، وخاصة الجنسيات التي لها علاقة جيدة بإسرائيل، وعلى رأسهم: أمريكا، وبريطانيا، والهند.
وعلى دول الخليج أن تأخذ كل الحذر من الهنود.
خامسًا: لا تثق في أمريكا أو أوروبا مهما قالوا
لا يجب على أي دولة عربية أو إسلامية – من باكستان وحتى جزر القمر – أن تثق في أمريكا أو أوروبا، ولا في التصريحات الأمريكية، ولا في كل العبث الذي يظهر من أن ترامب مختلف مع نتنياهو، أو أن هناك خلافًا حادًا داخل إسرائيل، أو أن فرنسا ستعترف بالدولة الفلسطينية من طرف واحد، أو أن بريطانيا أخيرًا جَهَرت بالحق في وجه إسرائيل وطالبتها بوقف المجازر في غزة.
كل هذا للتنويم والتخدير. والحقيقة أنهم جميعًا على قلب رجل واحد ضد العرب والمسلمين، ومع إسرائيل دينيًا، وعقائديًا، وسياسيًا، وعسكريًا.
وإسرائيل كلها هي بن غفير ونتنياهو في التطرف والعداء المطلق للعرب والمسلمين





