Wednesday، 04 March 202602:49 PM
آراء حرة

اللواء رضا فرحات يكتب: مستقبل الدراما المصرية في ضوء التوجيهات الرئاسية: استعادة الهوية وتعزيز القيم الوطنية

السبت، 22 مارس 2025 04:25 مساءً
اللواء رضا فرحات يكتب: مستقبل الدراما المصرية في ضوء التوجيهات الرئاسية: استعادة الهوية وتعزيز القيم الوطنية
اللواء الدكتور رضا فرحات
15

الدراما المصرية، تلك القوة الناعمة التي كانت لسنوات طويلة مرآة للمجتمع، ونافذة تضيء زواياه المختلفة، تواجه اليوم تحديا كبيرا يتعلق بمدى تعبيرها عن القيم والمبادئ التي نشأت عليها الشخصية المصرية، و جاء توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي بتشكيل مجموعة لمراجعة سياق الدراما المصرية ليضعنا أمام لحظة حاسمة تعيد رسم ملامح هذا الفن المؤثر، بحيث يكون انعكاسا حقيقيا لما نريد غرسه في وجدان الأجيال القادمة، وليس مجرد استجابة لمتغيرات السوق أو الانسياق وراء موجات العشوائية والتجارية التي قد تضر بالوعي العام.

لطالما كانت الدراما المصرية واحدة من أهم أدوات تشكيل الوعي الجمعي، حيث قدمت نماذج مضيئة رسخت قيم الانتماء، وعززت الهوية الوطنية، وأسهمت في نشر الثقافة والمعرفة من “ليالي الحلمية” التي صاغت ذاكرة مصر الاجتماعية والسياسية، إلى “رأفت الهجان” الذي جسد روح البطولة والتضحية، ظل الفن المصري قادرا على تقديم محتوى ثري و ملهم.

لكن، في العقود الأخيرة، شهدنا انحرافا في بعض الأعمال الدرامية عن هذا المسار، حيث سيطرت موضوعات العنف والبلطجة، وتم ترويج أنماط مشوهة من الشخصيات التي لا تعكس حقيقة المجتمع المصري بثرائه الثقافي وقيمه المتجذرة وأصبحت بعض المسلسلات تظهر العشوائيات وكأنها الصورة الوحيدة للحياة المصرية، وبدأت في تصدير مفاهيم مغلوطة عن الشباب والمرأة والأسرة وهنا تبرز أهمية التوجيه الرئاسي كخطوة تصحيحية تعيد الدراما المصرية إلى مسارها الأصيل.

إن التأكيد على إنتاج أعمال درامية تتماشى مع القيم المصرية ليس مجرد توجه تنظيمي، بل هو استجابة لحاجة مجتمعية ملحة، فالدراما ليست مجرد وسيلة ترفيهية، بل هي أداة تثقيفية و توعوية تؤثر بشكل عميق على النسيج الاجتماعي فكما أثرت المسلسلات القديمة في وجدان أجيال كاملة، علينا أن نحرص اليوم على تقديم أعمال تليق بتاريخنا وتراثنا وقيمنا وفي هذا السياق، يمكن أن تتخذ الدولة خطوات متعددة لضمان تحقيق هذا الهدف، منها تشجيع الإنتاج الوطني الهادف من خلال دعم شركات الإنتاج التي تقدم محتوى يعزز الهوية المصرية، وطرح قضايا مجتمعية هامة مثل التعليم، والتمكين الاقتصادي، وريادة الأعمال، ودور الشباب في بناء المستقبل بالإضافة إلى تعزيز دور الرقابة الإيجابية بحيث لا تكون الرقابة مجرد أداة لمنع بعض المشاهد، وإنما تصبح وسيلة لتوجيه الدراما نحو تقديم محتوى يثري المشاهد، ويعزز القيم الإيجابية بدلاً من ترويج ثقافة العنف أو الانحراف.

أيضا يجب الاستفادة من التاريخ المصري و لدينا رصيد هائل من الشخصيات التاريخية والأحداث الوطنية التي تصلح لأن تكون مادة ثرية للأعمال الدرامية، فلماذا لا نرى مسلسلات جديدة عن العلماء المصريين، أو عن شخصيات وطنية لعبت أدوارا مهمة في تاريخنا؟ و التعاون مع المؤسسات الثقافية والتعليمية ويمكن إشراك الجامعات والمراكز البحثية في تقديم رؤى تساعد على رسم صورة درامية دقيقة ومتوازنة للمجتمع المصري، بحيث تكون الدراما انعكاسا حقيقيا لقيمنا وليس مجرد استجابة للطلب التجاري.

إن استعادة مكانة الدراما المصرية لا تتعلق فقط بإصلاح المسار الفني، وإنما تمتد إلى بناء وعي قومي مستنير، يحمي المجتمع من محاولات التشويه والتغريب خاصة وأن الدراما هي إحدى أدوات القوة الناعمة التي تستطيع التأثير في عقول وقلوب الملايين، وإذا استطعنا تسخيرها بالشكل الصحيح، فستكون إحدى ركائز التنمية الثقافية والفكرية في مصر ، ولا يمكن أن ننسى دور الدراما في تعزيز قيم الوحدة الوطنية، في الوقت الذي تسعى بعض التيارات إلى نشر الفرقة والتشكيك في مؤسسات الدولة، تستطيع الأعمال الفنية الهادفة أن ترسخ مفهوم المواطنة والانتماء، وتبرز الجهود التنموية التي تشهدها البلاد.

نحن اليوم أمام لحظة مفصلية، فإما أن تستمر الدراما المصرية في تقديم محتوى يعكس الصورة المشوهة، أو أن تعود إلى دورها الطبيعي كأداة للتنوير ونشر الوعي، والتوجيهات الرئاسية جاءت لتضع الأمور في نصابها الصحيح، لكنها تحتاج إلى تفاعل حقيقي من صناع الدراما، سواء المنتجين أو المؤلفين أو المخرجين، ليكونوا جزءًا من عملية الإصلاح الفني والثقافي.

إن مستقبل الدراما المصرية لا ينبغي أن يكون رهينا لمعادلات تجارية بحتة، بل يجب أن يكون انعكاسا حقيقيا لروح مصر وهويتها حينها فقط، سنرى أعمالا فنية تليق بشعبنا، وتستحق أن تظل محفورة في ذاكرة الأجيال القادمة، كما بقيت أعمال العمالقة الذين صنعوا مجد الدراما المصرية.