
في لحظةٍ تاريخيةٍ تشدُّ أنفاسَ الأمة، تستعدُّ بيروتُ لوداعٍ قد يُعيد تشكيلَ خريطةِ المنطقة.. الأحدُ المقبلُ ليس مجرَّد موعدٍ لتشييع جثمانين، بل محطةٌ تُلخِّصُ صراعَ أربعةِ عقودٍ بين مشروعِ مقاومةٍ داميةٍ ودولةٍ تتهاوى تحت وطأةِ الانهيار. الشهيدان حسن نصر الله وهاشم صفي الدين يُرفعان إلى السماءِ بجنازةٍ تُشبهُ الزلزالَ الشعبيَّ، بينما تَعتصرُ إسرائيلُ زنادَها.. فهل تتحوَّلُ ساحاتُ التشييع إلى ساحةِ مواجهةٍ مفتوحة؟
“استفتاء الدم”… حشدٌ مليونيٌّ يُعيدُ رسمَ معادلة القوَّة
“المقاومةُ شعبٌ”.. شعارٌ يَصدحُ اليومَ كوعدٍ تحوَّل إلى حقيقةٍ ملموسة، حزبُ الله يُنظِّمُ “أكبرَ جنازةٍ في تاريخ الشرق الأوسط”، ليس فقط لتكريسِ رمزيةِ القائدَين، بل لتحويلِ المشهدِ إلى *استفتاءٍ شعبيٍّ صارخٍ على شرعيةِ سلاحِه ومشروعِه. التوقعاتُ تتحدَّثُ عن مليونِ مشاركٍ من لبنانَ والعالم، بينما تُحلِّقُ طائراتُ الاستطلاعِ الإسرائيليةُ على حدودِ الجنوبِ، وتُهدِّدُ علناً: “أي استعراضٍ عسكريٍّ سيُقابَلُ بالصواريخ”.
الرسائلُ المُتبادلةُ بين الطرفينِ لا تحتاجُ لترجمة: إسرائيلُ تُحذِّرُ من تحويلِ الجنازةِ إلى منصَّةٍ لـ”حزبِ الحرب”، فيما الحزبُ يردُّ بحشدِ الجماهيرِ كـ”جدارٍ بشريٍّ” يُجسِّدُ الشرعيةَ الشعبيةَ للمقاومة. الرئيسُ اللبنانيُّ جوزيف عون، ووفودٌ من 79 دولةً – بينها إيران وسوريا والعراق واليمن – سيشهدونَ لحظةَ الوداعِ الأخيرة، في مشهدٍ يُعيدُ إنتاجَ تحالفاتِ المنطقةِ بأكملِها.
تدابيرُ أمنيةٌ تُشبهُ حرباً مُعلنة
المدينةُ الرياضيةُ في كميل شمعون تتحوَّلُ إلى قلعةٍ مُحصَّنة. قوى الأمنِ اللبناني تُعلنُ حالةَ التأهُّبِ القصوى:
– إغلاقُ مطارِ رفيق الحريري أمام حركةِ السيرِ العادية، وتحويلُ مساراتِ الشاحناتِ لـ72 ساعة.
– منعُ الوقوفِ على أوتوسترادِ المطارِ ومناطقِ الأوزاعي والكولا، مع تحويلاتٍ مروريةٍ ضخمةٍ تشملُ 15 محوراً رئيسياً.
– تأمينُ طرقاتِ الوافدينَ من البقاعِ والجنوبِ والشمالِ عبر ممراتٍ أمنيةٍ مُحدَّدة، وسطَ انتشارِ آلافِ العناصرِ المدجَّجينَ بالأسلحةِ الثقيلة.
لكنَّ السؤالَ الأكبر: ماذا عن التهديدِ الإسرائيليِّ المباشر؟، مصادرُ أمنيةٌ تُلمِّحُ إلى وجودِ أنظمةِ دفاعٍ جويٍّ غيرِ مسبوقةٍ حولَ موقعِ التشييع، بينما يُحلِّقُ سلاحُ الجوِّ الإسرائيليُّ فوقَ المياهِ الإقليميةِ في استعراضٍ صارخٍ للقوَّة.
“ورقةُ الحوثيِّين”
التحذيراتُ الدوليةُ تُلقى على مسمعِ بيروت: أي حضورٍ لقياداتٍ خاضعةٍ لعقوباتٍ سيُعرِّضُ لبنانَ لعواقبَ كارثية”. تقاريرُ استخباريةٌ تُشيرُ إلى احتمالِ قدومِ وفودٍ من “أنصار الله” (الحوثيين) اليمنيينَ، الذين تُصنِّفُهم واشنطنُ كـ”إرهابيين”، ما قد يُعطِّلُ مساعي الحكومةِ اللبنانيةِ للحصولِ على مساعداتٍ ماليةٍ أوروبيةٍ معلَّقةٍ على شفيرِ الإصلاحات.
مرح جنبلاط يُحذِّرُ في تحليلٍ ناري: “الجنازةُ قد تكونُ فخاً إسرائيلياً لتصفيةِ قادةِ الميليشياتِ المُواليةِ لإيران”، مُشيراً إلى أنَّ تل أبيبَ تبحثُ عن ذريعةٍ لضربِ أيِّ تجمُّعٍ يُعتبرُ تهديداً أمنياً. في المقابل، حزبُ الله يُصدرُ بياناً غاضباً: “من يحاولُ تخويفَ الجماهيرِ فهو عميلٌ للعدو”، فيما نجلُ الشهيدِ محمد مهدي نصر الله يُوجِّهُ نداءً حماسياً: الحضورُ واجبٌ.. والتراجعُ خيانةٌ لدماءِ الشهداء
“لعبةُالأضداد”… صراعُ الشرعيتينِ بين الدولةِ والميليشيا
الجنازةُ العملاقةُ تُعيدُ إشعالَ الجدلِ القديم: أين تنتهي شرعيةُ الدولةِ وأين تبدأ شرعيةُ السلاح؟ الرئيسُ عونُ، المقرَّبُ من الحزبِ، يُشاركُ في التشييعِ كرمزٍ للشرعيةِ الرسمية، لكنَّ الحشدَ الشعبيَّ الهائلَ يُرسلُ رسالةً مفادها: “الشارعُ هو مصدرُ الشرعيةِ الحقيقي”
الخوفُ الأكبرُ يكمنُ في تحوُّلِ المشهدِ إلى “انفجارٍ داخليٍّ” بين أنصارِ الحزبِ وخُصومِه، خاصةً مع تصاعدِ التوتُّرِ على خلفيةِ الأزمةِ الاقتصاديةِ والانقسامِ السياسيِّ.
مراقبونَ يُشيرونَ إلى أنَّ الحزبَ يسعى لاثبات أنه الرقم الأهم في المعادلة اللبنانية.
بين نارِ التهديداتِ وشررِ التحدِّي.. لبنانُ على حافَّةِ الهاوية
بيروتُ التي عانتْ من انفجارِ المرفأِ والأزماتِ المتلاحقةِ، تواجهُ اليومَ اختباراً وجودياً: إمَّا أن تنجوَ بذكاءٍ من فخِّ المواجهةِ مع إسرائيل، أو تَسقطَ في دوَّامةِ عنفٍ جديدةٍ تُنهي ما تبقَّى من جسدِها الواهن. الجنازةُ ليست مجرَّد وداعٍ لرجلين، بل *محكٌّ حقيقيٌّ لإرادةِ لبنانَ في البقاء.
السؤالُ الذي يُطرَحُ على الملأ: هل سيُكتبُ لهذا اليومِ أن يكونَ فصلاً جديداً في سجلِّ الصمودِ اللبناني، أم صفحةً داميةً في كتابِ الانهيار؟ الإجابةُ ستُكتَبُ بدماءِ الجماهيرِ الغاضبةِ، وصواريخِ العدوِّ المُتربِّصةِ، وصمتِ العالمِ المُطبقِ.





