
يعد قانون الإيجار القديم في مصر واحدا من أكثر القضايا الاجتماعية والاقتصادية تعقيدا وإثارة للجدل، فهو يمس ملايين المواطنين سواء من الملاك أو المستأجرين، ويؤثر بشكل مباشر على سوق العقارات والتنمية العمرانية في البلاد، ومع تزايد الأصوات المطالبة بتعديل القانون بما يحقق العدالة للطرفين، يظل هذا الملف شائكا ومليئا بالتحديات التي تحتاج إلى معالجة شاملة ومتوازنة.
ظهر قانون الإيجار القديم في مصر كاستجابة للظروف الاجتماعية والاقتصادية التي مرت بها البلاد في فترات مختلفة من القرن الماضي، و كان الهدف الأساسي هو حماية المستأجرين من تقلبات السوق وضمان استقرارهم السكني في وقت كانت فيه الطبقة الوسطى والفقيرة تعاني من ضغوط معيشية كبيرة؛ لكن مع مرور الوقت، تحول القانون إلى عبء على أطراف عدة، لا سيما الملاك الذين أصبحوا يتقاضون إيجارات زهيدة لا تتناسب مع التضخم وارتفاع أسعار الخدمات وفي الوقت نفسه، أدى هذا القانون إلى تجميد حركة السوق العقارية وإهمال صيانة المباني، مما أثر سلبا على جودة البنية التحتية.
قانون الإيجار القديم أضعف سوق العقارات بشكل كبير وأدى إلى عزوف المستثمرين عن دخول القطاع السكني الموجه للإيجارات طويلة الأمد، وتسبب في نقص المعروض وارتفاع أسعار الإيجارات الجديدة ، وبالرغم من أن القانون حقق استقرارا لملايين الأسر على مدى عقود، إلا أنه تسبب في تهميش حقوق الملاك و كثير من الأسر التي تعيش تحت مظلة الإيجار القديم لا تدفع إلا مبالغ رمزية وهو ما ادي الي إحساس الملاك بالغبن والظلم لأنهم يعتبرون أن ممتلكاتهم قد أصبحت خارج سيطرتهم الفعلية، ويبقى تعديل القانون مسألة معقدة، إذ يتطلب توازنا دقيقا بين حماية المستأجرين القدامى، خاصة الفئات الأقل دخلا، وبين تمكين الملاك من حقوقهم القانونية والاقتصادية.
ولإعادة التوازن لهذا الملف، يجب اعتماد حلول تراعي البعد الاجتماعي والاقتصادي والقانوني وأبرزها تعديل تدريجي للعقود حيث يمكن تطبيق زيادات تدريجية على الإيجارات وفقا لمعادلة تأخذ في الاعتبار الدخل الشهري للمستأجر والقيمة السوقية للعقار يتيح ذلك تحقيق العدالة دون التسبب في صدمة اقتصادية للمستأجرين كما يمكن للدولة أن تنشئ صندوقا لدعم المستأجرين غير القادرين على تحمل زيادات الإيجار، خاصة كبار السن وأصحاب الدخول المحدودة ويمول هذا الصندوق من موارد متعددة مثل الضرائب أو مساهمات القطاع الخاص بالإضافة إلى العمل على تقديم حوافز للمطورين العقاريين لبناء وحدات سكنية موجهة للإيجار بأسعار معقولة ويمكن أن يشمل ذلك تخفيضات ضريبية أو تقديم الأراضي بأسعار منخفضة، بالإضافة إلى تطبيق تعديلات القانون على مراحل، مع تحديد إطار زمني لإنهاء العمل بنظام الإيجار القديم واستبداله بعقود جديدة تتماشى مع المتغيرات الاقتصادية.
إن تدخل الدولة في تأبيد مدة عقد الايجار القديم وتخفيض القيمة الإيجارية أشعرت المستأجر أنه أصبح مالكا للعقار بخلاف القانون وأدى إلى أضعاف عائد الاستثمار الذي كان معه يستهدفه مالك العقار سوار لنفسه أو لورثته من بعده، كما أن كثرة التعديلات التى أجريت على قوانين الإيجار القديم فضلاً عن النزاعات الدستورية وأحكام المحكمة الدستورية والتي أخرها الحكم بعدم دستورية تثبيت القيمة الإيجارية المنصوص علية في القانون ١٣٦لعام ١٩٨١ – أصبح يفرض لزاماً على المشرع أن يتدخل ويزيل العوار الموجود في هذا القانون والأفضل أن يتم تعديل وتغيير القانون بالكامل وأن يكون هناك تحريراً للعلاقة الإيجارية في مدة من ٣ إلى خمس سنوات مع زيادة القيمة الإيجارية خلال تلك الفترة بما يتناسب مع القيمة السوقية للعقارات في كل منطقة وبما لا يخل بمادئ العدل والمسارة ومما لاشك فيه أنه حدثت عدة زيادات على أسعار العديد من الخدمات مثل الغاز والكهرباء والمياه والوقود ويقوم المستجر بسدادها وليس من العدل أن تظل القيمة الايجارية هن الشيئ الثابت الوحيد ومن حوله تتغير باقى الثوابت .. فصلا عن أن هناك حالة من عدم المساواة بين المواطنين من الملاك الذي ينطبق عليهم قانون الايجار الجديد لعام ١٩٩٦ و بين الملاك من قبل هذا القانون بما يخالف ثوابت الدستور
ولمعالجة هذا الملف لا يمكن أن نغفل عن أن ذلك يتطلب إشراك جميع الأطراف المتأثرة، سواء الملاك أو المستأجرين أو الحكومة من أجل تحقيق التوازن بين حقوق الملاك والمستأجرين والحد من الاحتقان المجتمعي بما يساهم في تهدئة الأجواء وتجنب النزاعات وتعزيز الثقة في الحكومة و قراراتها بأنها تهدف إلى تحقيق الصالح العام و التزامها بمبادئ العدالة الاجتماعية وتجنب الإضرار بالكفالة الاجتماعية للمستأجرين غير القادرين الذى يقع عبء كفالتهم على الدولة والمجتمع المدني ولا يجب ان يتحملة الملاك.
ختاما، إن بناء مستقبل أفضل للسوق العقارية في مصر يتطلب منا جميعا التكاتف والعمل الجاد لحل هذه القضية العالقة بطريقة تضمن التوازن بين الحقوق والواجبات، وتفتح آفاقا جديدة للتنمية المستدامة والتعاطي مع هذا الملف بحكمة وشفافية، لضمان تحقيق الاستقرار المجتمعي وتحسين جودة الحياة للجميع.





