
منذ بداية الأزمة السورية عام 2011، ظل المشهد السياسي والعسكري يتسم بالتعقيد الشديد، حيث تحولت سوريا إلى ساحة صراع إقليمي ودولي بين قوى متنافسة. ومع انحسار النظام السوري في سنوات الصراع الأولى عن مناطق واسعة، برزت جماعات مسلحة متعددة، كان أبرزها “هيئة تحرير الشام” وتنظيم داعش. وفي تحول غير مسبوق في السياسة الأمريكية، كشفت تصريحات وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن عن وجود محادثات مباشرة بين واشنطن و”هيئة تحرير الشام”، وهو ما يعكس تغيرًا في الاستراتيجية الأمريكية نحو التعامل مع قوى مصنفة إرهابية.
تأتي هذه الخطوة بالتزامن مع تطورات ميدانية لتنظيم داعش، الذي استغل الفراغ الأمني والسياسي بعد انهيار سيطرة النظام السوري عن أجزاء كبيرة من البلاد، ليُعلن عن مشروع “خلافته” عام 2014، متمددًا في مناطق سوريا والعراق. ومع الضربات العسكرية التي تلقاها، عاد داعش لاحقًا إلى تبني تكتيك حرب العصابات عبر خلاياه النائمة، مما أبقى تهديده قائمًا حتى اليوم.
الخلفية التاريخية لصعود داعش
منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، بدأت ملامح تنظيم داعش تتشكل من بقايا تنظيم القاعدة في العراق. ومع تزايد التدخلات الخارجية، تحول هذا التنظيم إلى قوة عسكرية تُهدد المنطقة. ومع اندلاع الحرب الأهلية في سوريا، وجد التنظيم بيئة خصبة للتمدد نتيجة للفراغ الأمني الحاصل
استفاد داعش من حالة الفوضى، ليبني شبكات اقتصادية تعتمد على التجارة غير الشرعية للنفط والآثار، مما مكّنه من تمويل عملياته وتجنيد المقاتلين في عام 2014، سيطر على مناطق واسعة في العراق وسوريا، مثل الموصل والرقة، معلنًا ما أسماه “الخلافة الإسلامية” فرض التنظيم أيديولوجيته المتطرفة عبر انتهاكات مروعة ضد المدنيين والفصائل المسلحة، ما أثار ردود فعل دولية أفضت إلى تدخل عسكري قادته الولايات المتحدة تحت مظلة التحالف الدولي
ورغم خسارته لمعاقله الرئيسية بحلول عام 2019، إلا أن التنظيم لم ينتهِ كليًا. اعتمد على تكتيكات جديدة تقوم على حرب العصابات وشن هجمات خاطفة عبر خلاياه النائمة، مستغلًا المساحات الصحراوية والفراغ الأمني في سوريا والعراق.
دوافع السياسة الأمريكية في التواصل مع هيئة تحرير الشام
يُعتبر التواصل بين واشنطن و”هيئة تحرير الشام” جزءًا من استراتيجية أمريكية جديدة تهدف إلى تحقيق أهداف عدة : –
أولًا، تسعى الولايات المتحدة إلى مواجهة خطر تنظيم داعش، خاصة مع تصاعد عملياته في البادية السورية والمناطق الحدودية. “هيئة تحرير الشام” تسيطر حاليًا على إدلب، وتُعتبر القوة الأكثر تنظيمًا في تلك المنطقة، ما يجعلها شريكًا محتملاً في مكافحة تمدد داعش.
ثانيًا، تهدف واشنطن إلى تقويض النفوذ الروسي والإيراني في سوريا منذ تدخلها العسكري المباشر عام 2015، دعمت روسيا النظام السوري في استعادة مناطق واسعة، وهو ما عزز من نفوذها الإقليمي كذلك لعبت إيران دورًا رئيسيًا عبر دعم الميليشيات الموالية للنظام ترى الولايات المتحدة في “هيئة تحرير الشام” ورقة ضغط تتيح لها مواجهة التمدد الروسي والإيراني، وخلق توازن جديد في المنطقة.
ثالثًا، تحاول واشنطن تهيئة الأرضية لحل سياسي شامل للأزمة السورية قد تلعب “هيئة تحرير الشام” دورًا محوريًا في أي عملية انتقالية إذا ما أثبتت استعدادها للتحول إلى كيان سياسي بعيد عن أيديولوجيتها السابقة.
الموقف الإقليمي والدولي من التطورات الجديدة
أثارت الخطوة الأمريكية حفيظة روسيا وإيران، اللتين تعتبران “هيئة تحرير الشام” تهديدًا مباشرًا لمصالحهما في سوريا قد يؤدي هذا التواصل إلى تصعيد عسكري جديد في إدلب، حيث تسعى موسكو وطهران إلى القضاء على جميع القوى المناوئة للنظام السوري.
تركيا من جانبها تُراقب هذه التحركات بحذر شديد إدلب تُعد منطقة نفوذ تركي ضمن اتفاقيات خفض التصعيد الموقعة مع روسيا تتعامل أنقرة مع “هيئة تحرير الشام” بحذر إذ تعتبرها عاملًا مقلقًا في المنطقةمن جهة أخرى فإن أي تحالف أمريكي مع الهيئة قد يزيد من تعقيد الدور التركي خاصة أن واشنطن تُدعم أيضًا قوات سوريا الديمقراطية، التي تعتبرها أنقرة امتدادًا لحزب العمال الكردستاني المصنف إرهابيًا لديها؟
أوروبا بدورها قلقة من أي تعاون مع قوى مسلحة ذات تاريخ متطرف ملف المقاتلين الأجانب العائدين إلى بلدانهم يُشكّل هاجسًا كبيرًا بالنسبة للدول الأوروبية، التي تخشى من أن يؤدي هذا التحرك إلى نتائج عكسية.
الوضع الإنساني والاقتصادي في إدلب
تُعتبر إدلب آخر معقل رئيسي للمعارضة السورية، وتخضع لسيطرة “هيئة تحرير الشام” يعيش في المنطقة نحو 4 ملايين شخص معظمهم من النازحين، في ظروف إنسانية قاسية نتيجة الحصار والعمليات العسكرية المتكررة أي تصعيد عسكري جديد سواء من جانب روسيا سيؤدي إلى تفاقم الوضع الإنساني وخلق موجات جديدة من النزوح نحو تركيا وأوروبا.
على الصعيد الاقتصادي تواجه إدلب شللًا تامًا بسبب العقوبات الدولية وغياب أي دعم اقتصادي مستدام تعتمد المنطقة على المساعدات الإنسانية التي يتم إدخالها عبر الحدود التركية لكن هذه المساعدات تبقى محدودة ولا تلبي الاحتياجات المتزايدة للسكان
في ظل هذا الوضع المتأزم قد يؤدي التواصل الأمريكي مع “هيئة تحرير الشام” إلى تحسين نسبي للأوضاع الاقتصادية والإنسانية في إدلب خاصة إذا توافقت الأطراف الدولية على تسوية تضمن إدخال المساعدات ودعم الاستقرار.
السيناريوهات المستقبلية للأزمة السورية
المستقبل السوري يحمل عدة سيناريوهات محتملة في ظل التطورات الأخيرة. أحد هذه السيناريوهات هو نجاح التعاون الأمريكي مع “هيئة تحرير الشام”، حيث تُسهم الهيئة في مواجهة داعش وتحقيق الاستقرار الأمني في إدلب في هذه الحالة قد يتم رفع الهيئة تدريجيًا من قوائم الإرهاب شريطة تقديمها لتنازلات كبيرة تُثبت تحولها إلى كيان سياسي بعيد عن التطرف.
في المقابل، قد يفشل هذا التحرك إذا لم تتمكن الولايات المتحدة من احتواء الانقسامات الداخلية بين فصائل المعارضة أو إذا تصاعدت ردود الفعل الإقليمية قد يؤدي هذا الفشل إلى تصعيد عسكري جديد من جانب روسيا والنظام السوري، وهو ما سيزيد من معاناة المدنيين ويُعمّق أزمة النزوح.
السيناريو الأكثر تعقيدًا يتمثل في اشتعال المواجهات بين القوى الدولية والإقليمية على الأراضي السورية روسيا وإيران لن تقبلا بتوسع النفوذ الأمريكي عبر “هيئة تحرير الشام”، وقد تدفعان نحو مواجهة عسكرية جديدة في إدلب تركيا أيضًا ستسعى للحفاظ على مصالحها، مما قد يؤدي إلى تعقيد إضافي في المشهد السوري.
يُمثل التواصل الأمريكي مع “هيئة تحرير الشام” تحولًا كبيرًا في السياسة الأمريكية تجاه سوريا تسعى واشنطن من خلال هذا التحرك إلى تحقيق أهداف استراتيجية متعددة، تشمل مكافحة الإرهاب، مواجهة النفوذ الروسي والإيراني، وتهيئة الأرضية لحل سياسي شامل.
لكن هذا التحول يبقى محفوفًا بالمخاطر فبينما قد يُسهم في تحقيق الاستقرار على المدى القصير، فإنه قد يؤدي إلى نتائج عكسية إذا لم تتم إدارته بحذر التوترات الإقليمية والدولية، إضافة إلى هشاشة الوضع الإنساني والاقتصادي في إدلب تجعل من هذا التحرك رهانًا غير مضمون النتائج في النهاية يبقى الملف السوري أحد أعقد الأزمات الدولية، وما يجري اليوم قد يكون مجرد خطوة جديدة في مسار طويل نحو تحقيق الاستقرار المنشود.





