السبت، 31 أكتوبر 20262:54 مساءً
آراء حرة

اللواء د. رضا فرحات يكتب … مصر.. دبلوماسية الثوابت وصناعة التوازنات الإقليمية

السبت، 31 أكتوبر 2026 02:14 مساءً
اللواء د. رضا فرحات يكتب … مصر.. دبلوماسية الثوابت وصناعة التوازنات الإقليمية
اللواء د. رضا فرحات
15

في منطقة تتسارع فيها التحولات السياسية، وتتداخل فيها الصراعات والمصالح الدولية، لم تعد السياسة الخارجية مجرد أداة لإدارة العلاقات بين الدول، بل أصبحت أحد أهم محددات قوة الدولة وقدرتها على حماية أمنها القومي وصون مصالحها وفي خضم هذه البيئة المضطربة، تبرز الدولة المصرية باعتبارها دولة محورية تمتلك من الثقل السياسي والتاريخي والجغرافي ما يؤهلها للقيام بدور مؤثر في حماية الاستقرار الإقليمي، والدفاع عن المصالح العربية، والمساهمة في بناء مسارات سياسية قادرة على احتواء الأزمات ومنع اتساع رقعتها.

 

إن السياسة الخارجية المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي تستند إلى مجموعة من الثوابت الوطنية والاستراتيجية التي تشكل الإطار الحاكم لتحركات القاهرة وعلاقاتها الدولية، وفي مقدمتها حماية الأمن القومي المصري، واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والتمسك بالحلول السياسية والدبلوماسية باعتبارها الطريق الأكثر استدامة لتسوية النزاعات وهذه الثوابت تمنح التحرك المصري قدرا كبيرا من الاتساق والاستمرارية، وتؤكد أن القاهرة تتعامل مع التطورات الإقليمية وفق رؤية شاملة تتجاوز الحسابات الآنية وردود الأفعال.

 

تكمن أهمية هذا النهج في إدراك الدولة المصرية أن الأمن القومي لم يعد مفهوما محصورا داخل الحدود الجغرافية، وإنما أصبح مرتبطا ارتباطا وثيقا باستقرار المحيط الإقليمي، وأمن الممرات الملاحية، وحماية مقدرات الدول والشعوب، ومنع تحول الصراعات المحلية إلى أزمات ممتدة تهدد المنطقة بأكملها، تطورات الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية بجانب التطورات في قطاع غزة، والأوضاع في السودان وليبيا، والتوترات المتصاعدة في منطقة البحر الأحمر، فضلا عن التحديات المرتبطة بأمن شرق المتوسط، جميعها ملفات تتصل بصورة مباشرة بالمصالح الاستراتيجية المصرية، وتحتاج إلى تحرك دبلوماسي واعٍ يوازن بين حماية المصالح الوطنية ودعم الاستقرار الإقليمي.

 

 

التحركات المصرية تجاه القضية الفلسطينية تكتسب أهمية خاصة، باعتبارها قضية مركزية في وجدان الدولة المصرية وموقفها السياسي وقد ارتكز الموقف المصري على ضرورة وقف الحرب، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ورفض تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه، والتمسك بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وهذا الموقف يعكس إدراكا عميقا بأن التسوية العادلة والشاملة للقضية الفلسطينية تمثل ركيزة أساسية لتحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، وأن استمرار الصراع يظل مصدرا رئيسيا لعدم الاستقرار الإقليمي.

 

وعلى صعيد الأمن الإقليمي، تواصل مصر دعم الجهود الرامية إلى ترسيخ الاستقرار العربي وتعزيز منظومة الأمن المشترك، انطلاقا من إيمانها بأن أمن الدول العربية يرتبط ارتباطا وثيقا بأمنها القومي، وأن مواجهة التحديات الراهنة تتطلب تنسيقا مستمرا وتكاملا في المواقف والرؤى وتأتي العلاقات المصرية السعودية في مقدمة ركائز هذا التحرك، باعتبارها شراكة استراتيجية تستند إلى روابط تاريخية ومصالح مشتركة وإدراك متبادل لطبيعة التحديات التي تواجه المنطقة، ويظل التنسيق بين القاهرة والرياض عنصرا مهما في دعم استقرار المنطقة، وتوحيد الجهود تجاه الأزمات الإقليمية، وحماية الأمن العربي، فضلا عن تعزيز فرص التسوية السياسية والحفاظ على سيادة الدول ووحدة أراضيها كما يعكس استمرار التشاور بين البلدين حرصهما على التعامل مع التطورات المتسارعة بمسؤولية، بما يصون مقدرات الشعوب العربية ويدعم أسس الأمن والاستقرار الإقليمي.

 

 

ومن أبرز عناصر قوة السياسة الخارجية المصرية قدرتها على الاحتفاظ بعلاقات متوازنة مع القوى الدولية والإقليمية المختلفة، وهو ما يمنح القاهرة مساحة واسعة للحركة والتأثير في القضايا ذات الاهتمام المشترك، العلاقات المصرية مع الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والصين، إلى جانب الشراكات العربية والإفريقية، تعكس توجهًا نحو تنويع دوائر التعاون وعدم حصر العلاقات الدولية في اتجاه واحد وهذا التوازن لا يعني الوقوف على مسافة واحدة من جميع القضايا، وإنما يعبر عن استقلالية التقدير السياسي والقدرة على بناء تفاهمات متعددة تخدم المصالح الوطنية وتدعم فرص الاستقرار.

إن السياسة الخارجية المصرية باتت ترتبط بصورة متزايدة بالأبعاد الاقتصادية والتنموية، ولم تعد الدبلوماسية تقتصر على إدارة العلاقات السياسية أو التعامل مع الأزمات، بل أصبحت أداة مهمة لجذب الاستثمارات، وتوسيع الشراكات التجارية، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية، وتعزيز التعاون في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والتكنولوجيا، القوة الاقتصادية تمثل أحد المكونات الرئيسية للقوة الشاملة للدولة، وكلما اتسعت شبكة الشراكات الدولية وتنوعت مجالات التعاون، ازدادت قدرة مصر على دعم اقتصادها وتعزيز موقعها في النظام الدولي.

 

لا يمكن إغفال الدور المصري في القارة الإفريقية، حيث تمثل الدائرة الإفريقية امتدادا استراتيجيا للأمن القومي المصري، خاصة فيما يتعلق بقضايا الأمن المائي والتنمية والتكامل الاقتصادي ومكافحة الإرهاب وتحرص القاهرة على تعزيز التعاون مع الدول الإفريقية من خلال الشراكات التنموية، وتبادل الخبرات، ودعم مشروعات البنية الأساسية، والمشاركة في جهود تسوية النزاعات، بما يعزز مفهوم المصالح المشتركة ويؤسس لعلاقات تقوم على الاحترام المتبادل وتحقيق المكاسب لجميع الأطراف.

 

إن أحد أهم ملامح السياسة الخارجية المصرية يتمثل في قدرتها على الجمع بين ثبات المبادئ ومرونة الأدوات؛ فالثوابت الوطنية لا تتغير بتغير الظروف، لكن آليات التحرك تتطور وفقا لطبيعة كل أزمة وتوازناتها وهذه المعادلة تمنح الدبلوماسية المصرية قدرة على التعامل مع ملفات شديدة التعقيد، وتتيح لها بناء قنوات اتصال مع أطراف متعددة، بما يساعد على تقريب وجهات النظر واحتواء التوترات وفتح نوافذ للحلول السياسية.

 

إن المرحلة الراهنة تفرض أهمية استمرار هذا النهج، وتعزيز التنسيق العربي والإقليمي والدولي لمواجهة التحديات المشتركة، لأن استقرار المنطقة مسؤولية تتطلب إرادة سياسية وتعاونا حقيقيا بين الدول، بعيدا عن منطق التصعيد والمواجهات المفتوحة، وتظل مصر بما تمتلكه من ثقل سياسي ودبلوماسي وخبرة تاريخية مؤهلة للقيام بدور محوري في هذه المعادلة، انطلاقا من إدراكها أن حماية الأمن القومي المصري ترتبط ارتباطا وثيقا بأمن محيطها العربي والإفريقي والإقليمي.

 

وفي المحصلة، فإن السياسة الخارجية المصرية تمثل تعبيرا عن رؤية دولة تدرك طبيعة موقعها ومسؤولياتها، وتتحرك وفق حسابات استراتيجية تستهدف حماية مصالحها الوطنية، وصون مقدرات شعوب المنطقة، وتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق السلام والاستقرار، مصر لا تبحث عن دور إقليمي من فراغ، وإنما تستند إلى تاريخ من الحضور والتفاعل المسؤول، وإلى رؤية تؤمن بأن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها، وإنما أيضا بقدرتها على الإسهام في صناعة بيئة إقليمية أكثر أمنا واستقرارا، وهو ما يظل جوهر التحرك المصري في مواجهة تحديات الحاضر واستحقاقات المستقبل.