الخميس، 29 أكتوبر 20262:34 مساءً
آراء حرة

إسلام أنور يكتب: الدبلوماسية المصرية.. قوة الاتزان في إقليم مضطرب

الخميس، 29 أكتوبر 2026 01:48 مساءً
إسلام أنور يكتب: الدبلوماسية المصرية.. قوة الاتزان في إقليم مضطرب
إسلام أنور
15

في السياسة كما في الحياة، ليست كل المعارك بحاجة إلى صوت مرتفع، ولا تُقاس قوة الدول بعدد الخصومات التي تخوضها، وإنما بقدرتها على حماية مصالحها دون أن تصبح أسيرة للصراعات المحيطة بها. وربما تكون هذه المعادلة هي الأصعب في منطقة اعتادت أن تنتقل من أزمة إلى أخرى، حتى أصبح الاستقرار فيها استثناء وأضحت القدرة على تجنب الانفجار إنجازًا سياسيًا لا يقل أهمية عن القدرة على حسم المواجهات.

 

وسط هذا المشهد الإقليمي المعقد، تتحرك الدبلوماسية المصرية وفق حسابات تتجاوز ردود الفعل الآنية، مستندة إلى إدراك تاريخي بأن موقع مصر الجغرافي وثقلها السياسي لا يتركان لها رفاهية الانعزال عما يجري حولها. فما يحدث في غزة لا يبقى داخل حدود القطاع، وما تشهده السودان من اضطرابات لا ينفصل عن الأمن المصري، وما يجري في البحر الأحمر أو القرن الإفريقي تتردد آثاره على الاقتصاد والملاحة والتجارة والأمن القومي.

 

ومن هنا، فإن الحديث عن الدبلوماسية المصرية ليس حديثًا عن نشاط خارجي منفصل عن الشأن الداخلي، بل عن إحدى الأدوات الأساسية لحماية الدولة ومقدراتها. فكل أزمة تُحتوى قبل اتساعها تعني مخاطر أقل على الحدود، وضغوطًا أخف على الاقتصاد، وفرصًا أكبر لتوجيه الموارد نحو التنمية بدلًا من استنزافها في مواجهة تداعيات الصراعات.

 

ولعل ما يميز التحرك المصري أنه ينطلق من فهم لطبيعة القوة في عالم لم تعد فيه المواجهة المباشرة الوسيلة الوحيدة لفرض الحضور. فالدولة التي تستطيع الاحتفاظ بخطوط اتصال مع أطراف متعارضة، وتقديم نفسها شريكًا موثوقًا في إدارة الأزمات، تمتلك أوراق تأثير قد لا توفرها أشد الخطابات السياسية صخبًا. لكن هذه القدرة لا تُكتسب بالمواقف المعلنة وحدها، وإنما تُبنى عبر سنوات من العلاقات والتفاهمات والمواقف المتراكمة.

 

وتظل القضية الفلسطينية الاختبار الأكثر حساسية لهذا الدور، ليس فقط بحكم الجغرافيا والتاريخ، وإنما لأن ما يجري في الأراضي الفلسطينية يمس بصورة مباشرة معادلات الأمن والاستقرار في المنطقة. وقد عكس الموقف المصري الرافض لتهجير الفلسطينيين من أرضهم إدراكًا بأن القضية لا تتعلق بإدارة أزمة إنسانية عابرة، بل بمحاولة تغيير واقع سياسي وجغرافي ستكون له تداعيات ممتدة على المنطقة بأكملها.

 

وفي هذا الملف تحديدًا، تتجلى أهمية الجمع بين الموقف السياسي والتحرك الدبلوماسي؛ فالدعوة إلى وقف الحرب وحماية المدنيين وإدخال المساعدات الإنسانية تكتسب قيمتها الحقيقية حين تقترن بمفاوضات واتصالات وضغوط سياسية تفتح الطريق أمام حلول قابلة للتنفيذ. ومع ذلك، فإن نجاح جهود التهدئة، على ضرورته، لا يمكن أن يكون بديلًا عن تسوية عادلة تعالج جذور الصراع، وتضمن للشعب الفلسطيني حقه في إقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

 

ولا يختلف الأمر كثيرًا في التعامل مع الأزمات العربية الأخرى، حيث تبدو المحافظة على وحدة الدول ومؤسساتها أحد الثوابت الحاكمة للرؤية المصرية. فقد أثبتت تجارب المنطقة أن انهيار الدولة لا يفضي بالضرورة إلى ميلاد نظام أكثر استقرارًا، بل قد يفتح أبوابًا واسعة أمام النزاعات المسلحة والتدخلات الخارجية والانقسامات المجتمعية. غير أن الحفاظ على مؤسسات الدولة لا ينبغي أن ينفصل عن ضرورة الإصلاح السياسي والاستجابة لتطلعات الشعوب؛ فالاستقرار الحقيقي لا يقوم على غياب الصراع مؤقتًا، وإنما على معالجة أسبابه وإيجاد تسويات تحظى بقدر كافٍ من القبول المجتمعي.

 

وفي الدائرة الإفريقية، تتضاعف أهمية الدبلوماسية المصرية، خصوصًا مع ارتباط الأمن المائي بقضايا التنمية والاستقرار. ويكشف ملف مياه النيل عن طبيعة التحديات التي تواجه السياسة الخارجية المصرية؛ إذ يتطلب الدفاع عن الحقوق المائية الجمع بين التمسك بالمصالح الوطنية، والاحتكام إلى القانون الدولي، والإبقاء على فرص التفاوض والتعاون قائمة. فالتحدي هنا لا يتمثل في إدارة خلاف سياسي فحسب، وإنما في التعامل مع قضية وجودية تتصل بحياة ملايين المواطنين ومستقبل التنمية.

 

أما اقتصاديًا، فقد بات واضحًا أن السياسة الخارجية لم تعد ترفًا تمارسه الدول بعيدًا عن حسابات الأسواق والاستثمار. فاضطراب الملاحة في البحر الأحمر، وما يرتبط به من ضغوط على حركة السفن عبر قناة السويس، يقدم مثالًا مباشرًا على الكلفة الاقتصادية لغياب الاستقرار الإقليمي. ومن ثم، فإن جهود التهدئة وحماية الممرات البحرية ليست مجرد مساهمة مصرية في الأمن الدولي، بل دفاع عن مصالح اقتصادية وطنية شديدة الحيوية.

 

وفي عالم تتغير فيه موازين القوى وتتزايد فيه المنافسة بين الأقطاب الدولية، تصبح القدرة على تنويع الشراكات ميزة استراتيجية مهمة. فلا مصلحة لمصر في الارتهان لمحور واحد، كما أن الانفتاح على قوى متعددة لا يعني بالضرورة الوقوف على مسافة متساوية من جميع القضايا. الاتزان الحقيقي هو أن تكون المصالح الوطنية هي البوصلة، وأن تُدار العلاقات الدولية بقدر من المرونة يسمح بالتعاون دون تبعية، وبالاختلاف دون قطيعة.

 

لكن الإنصاف يقتضي أيضًا ألا نحمّل الدبلوماسية أكثر مما تحتمل. فليست القاهرة قادرة وحدها على إنهاء حروب المنطقة، ولا تملك أي دولة، مهما بلغ ثقلها، فرض التسويات على أطراف ترفضها. كما أن قيمة التحركات السياسية لا تُقاس فقط بكثافة اللقاءات والبيانات، بل بما تحققه من نتائج ملموسة، وما تفتحه من فرص لتخفيف المعاناة الإنسانية ومنع اتساع الصراعات.

 

وهنا تحديدًا تظهر أهمية الانتقال من تقدير الجهود إلى تقييم آثارها؛ لأن الدبلوماسية القوية لا تخشى الأسئلة المتعلقة بفاعليتها، بل تستمد من مراجعة نتائجها قدرة أكبر على تطوير أدواتها وتوسيع هامش تأثيرها.

 

لقد دفعت شعوب المنطقة أثمانًا باهظة لسياسات المغامرة، ولحسابات القوة التي تجاهلت تعقيدات الواقع، ولحروب بدأت بشعارات كبرى وانتهت بخرائط من الخراب والنزوح والانقسام. وفي المقابل، تؤكد التجارب أن التفاوض، مهما طال وتعثر، يظل أقل كلفة من الحروب التي يعرف الجميع كيف تبدأ، ولا يعرف أحد على وجه اليقين كيف تنتهي.

 

لهذا تبدو قيمة الدبلوماسية المصرية في قدرتها على التمييز بين الحزم والتصعيد، وبين المرونة والتنازل، وبين الدفاع عن المصالح والانجرار إلى معارك تستنزفها. إنها معادلة دقيقة لا تتحقق بالشعارات، وإنما بحسن تقدير المواقف واختيار التوقيت المناسب وإدراك حدود الممكن دون التفريط في الثوابت.

 

فالقوة ليست دائمًا أن تدخل الدولة كل معركة، بل أن تعرف أي المعارك يجب أن تخوضها، وأي الحرائق ينبغي أن تمنع وصولها إلى أبوابها. وفي إقليم تتسع فيه دوائر الاضطراب، قد يكون الاتزان أحد أكثر أشكال القوة صعوبة، وأشدها احتياجًا إلى الحكمة.

 

ذلك أن الدبلوماسية، في جوهرها، ليست فن تجنب الصدام فحسب، بل فن حماية المستقبل من أخطاء الحاضر.