
خلف دخان الصواريخ الحوثية التي استهدفت شريان النفط العالمي في قلب السعودية، تدور حرب صامتة وأشد ضراوة لا تراها الأعين؛ حرب تقودها أجهزة استخبارات دولية بطائرات مسيرة مصنعة في طهران، وإحداثيات تضرب العمق الاقتصادي والحيوي للمملكة. فبينما تضخ إيران ملايين الدولارات والخبرات العسكرية لتحويل جماعة الحوثي إلى قوة هجومية كاسحة ضد الخليج ، وتتسلل الظلال الاستخباراتية الإسرائيلية عبر شبكات وخلايا سرية مزروعة في قلب العمق اليمني يقودها الموساد لتراقب المشهد عن كثب والعمل علي الارض هناك من خلال عملائها المزروعين .و هذا المقال يزيح الستار عن أسرار الغارات الحوثية المدمرة، ويكشف خفايا الاختراقات الأمنية وتصفية الحسابات الكبرى بين طهران، الرياض، وتل أبيب في المشهد اليمني المحتدم.
أولاً: الدعم الإيراني للحوثيين – من التعاطف الأيديولوجي إلى التحالف الاستراتيجي
لم يكن ارتباط الحوثيين بإيران وليد اللحظة، بل مر بمراحل تدريجية تحولت من التقارب الفكري والشعاراتي إلى شراكة عسكرية واستخباراتية كاملة الأركان. تعتبر طهران جماعة الحوثي فصيلاً حيوياً ضمن ما تسميه “محور المقاومة”، واستثمرت فيه بشكل مكثف لتحقيق أهداف استراتيجية، أبرزها الضغط على الخصم الإقليمي التقليدي (السعودية) وتأمين موطئ قدم على مضيق باب المندب الاستراتيجي.
يشمل الدعم الإيراني للحوثيين عدة مسارات رئيسية:
الترسانة العسكرية المتقدمة: زودت إيران الحوثيين بقطع وتكنولوجيا الصواريخ الباليستية، والمجنحة (كروز)، والطائرات المسيرة بدون طيار (مثل عائلة صماد وقاصف)، بالإضافة إلى الألغام البحرية. يتم تهريب هذه الأسلحة مجزأة عبر ممرات بحرية معقدة وشبكات تهريب دولية لتجمع لاحقاً في اليمن بإشراف خبراء.
التدريب والتخطيط: لعب الحرس الثوري الإيراني، وتحديداً فيلق القدس، إلى جانب مستشارين من حزب الله اللبناني، دوراً محورياً في تدريب عناصر الحوثي على حرب العصابات، وإدارة غرف العمليات، وإطلاق الصواريخ بدقة.
الدعم المالي واللوجستي: شمل الدعم توفير قنوات مالية بديلة وتسهيل تجارة النفط المهرب لتمويل المجهود الحربي للحوثيين، إلى جانب التغطية الإعلامية والسياسية في المحافل الدولية.
ثانياً: ضرب السعودية – استراتيجية إنهاك العمق الاقتصادي والحيوي
شكل استهداف العمق السعودي الاستراتيجية العسكرية الأبرز للحوثيين بدعم مباشر من طهران. لم تكن هذه الهجمات مجرد رد فعل عسكري، بل كانت عمليات مدروسة تهدف إلى زعزعة الاستقرار الاقتصادي للمملكة وإجبارها على القبول بالأمر الواقع في اليمن.
تجلت هذه الضربات في عدة محطات رئيسية:
استهداف البنية التحتية النفطية: كانت الهجمات على منشآت شركة أرامكو السعودية في بقيق وخريص تحولاً جوهرياً، حيث تسببت في توقف مؤقت لنصف إنتاج المملكة من النفط. أظهرت هذه الهجمات دقة عالية في التوجيه باستخدام مسيرات وصواريخ كروز، واعتبرها مراقبون رسالة إيرانية مشفرة بقدرتها على شل حركة الطاقة العالمية.
استهداف المطارات والمواقع المدنية: تعرضت مطارات أبها، وجازان، ونجران، وحتى مطار الملك خالد الدولي بالرياض، لهجمات متكررة بالصواريخ والمسيرات، مما شكل تهديداً مباشراً للملاحة الجوية والمدنيين.
العمق الاستراتيجي: سعت الضربات إلى استهداف منشآت حيوية ومحطات تحلية المياه والكهرباء في عمق المملكة، في محاولة لخلق حالة من الاستنزاف الأمني والدفاعي المستمر للقوات المسلحة السعودية.
ثالثاً: دور إسرائيل – تقاطع المصالح والظلال الاستخباراتية في المشهد اليمني
عند الحديث عن دور إسرائيل في سياق “ضرب السعودية” أو التغلغل في الملف اليمني، نجد أنفسنا أمام قراءتين مختلفتين تعكسان تعقيد المشهد الاستخباراتي في المنطقة:
الرواية الحوثية (البروباغندا والتوظيف السياسي):
تعتمد أدبيات الحوثيين السياسية بشكل أساسي على معاداة إسرائيل (ضمن شعار الصرخة). تتهم الجماعة إسرائيل بالمشاركة المباشرة في عمليات التحالف العربي ضدها، وتروج لرواية مفادها أن الهجمات على السعودية هي استهداف غير مباشر للمخططات “الصهيونية-الأمريكية” في المنطقة. من هذا المنطلق، يبرر الحوثيون ضرباتهم للمملكة باعتبارها معركة ضد حلفاء إسرائيل المفترضين.
الواقع الاستخباراتي (زرع الخلايا وتقاطع المصالح):
تنبثق الرؤية الإسرائيلية لليمن من مخاوف أمنية بحتة تتعلق بتهديد الملاحة في البحر الأحمر، ووصول الصواريخ الحوثية بعيدة المدى إلى مدينة إيلات (أم الرشراش). وفي هذا السياق، تشير تقديرات استخباراتية إلى أن الدور الإسرائيلي يركز على مسارين:
زرع خلايا التجسس وجمع المعلومات: تسعى الأجهزة المطلعة إسرائيلية (مثل الموساد والاستخبارات العسكرية) إلى وجود شبكات مخبرين وزرع خلايا استخباراتية داخل اليمن، وفي اغلب الأحيان محاولة اختراق الدوائر القريبة من الحوثيين أو بيئاتهم القبلية من خلال وحدة المستعربين و. الهدف الأساسي لهذه الخلايا ليس ضرب السعودية فقط وزعزة امن الخليج، بل رصد الشحنات العسكرية الإيرانية، وتتبع مواقع منصات الصواريخ، ومراقبة نشاط الحرس الثوري الإيراني في الساحل الغربي لليمن.
تبادل المعلومات مع الأطراف الإقليمية: فرض الخطر المشترك للمسيرات والصواريخ الإيرانية نوعاً من تقاطع المصالح غير المعلن بين إسرائيل ودول المنطقة قبل وبعد التطورات الجيوسياسية الأخيرة. شمل ذلك تبادل البيانات الرادارية والمعلومات الاستخباراتية حول تحركات المسيرات الحوثية الصادرة من اليمن والتي قد تهدد أجواء المنطقة بأسرها.
رابعاً: ميزان القوى الحالي ومستقبل الصراع
أثبتت السنوات الماضية أن الساحة اليمنية تحولت إلى مختبر عملياتي مفتوح للأسلحة الإيرانية، حيث تمكن الحوثيون من تطوير قدراتهم الهجومية بشكل فاجأ الكثير من الدوائر الغربية. ورغم محاولات التهدئة الدبلوماسية والاتفاقيات الإقليمية الهشة، تظل البنية التحتية العسكرية للحوثيين، وخلاياهم المرتبطة بطهران، تشكل خطراً مستداماً يهدد أمن الخليج وأمن الملاحة الدولية.
خامساً: خط الدفاع العربي– التدخل العسكري المصري لحماية المملكة
في خطوة غيرت من قواعد الاشتباك وأعادت الحيوية لمعادلة الأمن القومي العربي، دخلت مصر بثقلها العسكري المباشر على خط الأزمة. فمع تصاعد الهجمات الحوثية المدفوعة بتكنولوجيا طهران، وافق مجلس النواب المصري رسميًا، بأغلبية ثلثي أعضائه، على طلب تفويض قدمه الرئيس عبد الفتاح السيسي. هذا التفويض يسمح بإرسال قوات من القوات المسلحة المصرية في مهمة قتالية دفاعية خارج الحدود إلى أراضي المملكة العربية السعودية.
يأتي هذا التحرك الاستراتيجي وفق محددات بالغة الأهمية:
عقيدة “مسافة السكة”: يترجم هذا القرار دستوريًا وعسكريًا المبدأ الذي أعلنه الرئيس السيسي بأن أمن الخليج والسعودية خط أحمر وجزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.
طبيعة المهمة الدفاعية: أكدت القاهرة أن التحرك العسكري المصري ينحصر تماماً في إطار “الدفاع عن أراضي وسيادة ومقدسات المملكة”، وصد الهجمات الصاروخية ومسيرات الحوثي، دون الانزلاق إلى شن عمليات هجومية داخل العمق اليمني.
حماية البحر الأحمر وقناة السويس: ترى مصر في تغول الحوثيين عند مضيق باب المندب خطراً مباشراً يهدد الملاحة الدولية وحركة المرور في قناة السويس، مما جعل الدعم الدفاعي للسعودية ضرورة استراتيجية مشتركة لكبح المخطط الإيراني الهادف لمحاصرة المنطقة بحرياً.
صراع النفوذ ولعبة العروش الإقليمية
إن ما يحدث في الجغرافيا اليمنية ليس مجرد صراع حدودي أو حرب أهلية عابرة، بل هو انعكاس لمعادلة كسر عظام إقليمية أطرافها القوى الفاعلة في الشرق الأوسط. لقد نجحت إيران في تحويل جماعة الحوثي من حركة تمرد محلي إلى خنجر استراتيجي موجه نحو العمق الحيوي للسعودية، مستخدمة المسيرات والصواريخ كأدوات لفرض نفوذها. وفي المقابل، فإن التسلل الاستخباراتي الإسرائيلي إلى المشهد وزرع الخلايا لرصد وتتبع التمدد الإيراني يؤكد أن اليمن باتت ساحة متقدمة لحرب الجواسيس والمواجهة الصامتة بين طهران وتل أبيب. غير أن دخول مصر كحائط صد عسكري مباشر ودرع دفاعي للمملكة يعيد صياغة المشهد ويضع حداً لسياسة الاستفراد الإيراني بالمنطقة. في ظل هذا التشابك المعقد، يبدو أن استقرار المنطقة سيظل رهيناً للقدرة على تفكيك هذه الشبكات، وبدون حلول حقيقية لقطع شرايين الدعم والتهريب، ستبقى سماء الخليج وممرات البحر الأحمر مسرحاً مفتوحاً لحروب الوكالة والمفاجآت العسكرية التي قد تعيد رسم خريطة القوى في العالم.





