
يقف العالم اليوم مترقبا ما ستسفر عنه المفاوضات الجارية، وسبل إنهاء الحرب، وإمكانية إعادة فتح مضيق هرمز، في ظل تداعيات إقليمية ودولية واسعة فرضها الصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني منذ فبراير الماضي، بعد أن خلف آلاف الضحايا وأدى إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، وأثار ردودا إيرانية عنيفة استهدفت قواعد أمريكية ومواقع إسرائيلية ودولا خليجية، وتداعيات اقتصادية عالمية تهز أسعار الطاقة، أما غزة، التي كانت حتى وقت قريب عنوان الصراع الأبرز، فقد غابت تقريبا عن الشاشات والمنابر الدولية، رغم أن وقف إطلاق النار الهش الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025 ما زال قائما وما زالت معاناة أهلها مستمرة.
هذا “النسيان” ليس صدفة، بل نتيجة حسابات سياسية وعسكرية دقيقة، منذ اليوم الأول للحرب على غزة بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، كانت هناك إرادة إقليمية ودولية – لم يكن الفلسطينيون بعيدين عنها – لـ”تحييد” القطاع أو “تجميده”، حتى لا يتحول الصراع إلى مواجهة إقليمية شاملة، و اليوم، مع انشغال واشنطن وتل أبيب بإيران، استغل الاحتلال الإسرائيلي هذا الفراغ ليستمر في سياساته على الأرض: استمرار التعديات في الضفة الغربية والقدس، والخنق الاقتصادي والمعيشي، والجمود السياسي الذي يعيق إعادة الإعمار الحقيقي، فغادرت غزة مربعات الاهتمام الدولي، ولولا بعض الحراك الشعبي في عواصم الغرب، لما تذكر أحد أن هناك شعبا يعاني من كارثة إنسانية مستمرة.
يمثل هذا التحول نموذجا كلاسيكياًد لـ”إدارة الصراعات بالتسلسل” الذي تتبناه القوى الكبرى، بعد أن حققت إسرائيل بعض أهدافها العسكرية في غزة، ومع تصاعد التوتر مع محور المقاومة المدعوم إيرانيا تحول التركيز إلى “التهديد الاستراتيجي الأكبر” المتمثل في البرنامج النووي الإيراني ونفوذ طهران الإقليمي، وهذا التحول سمح لإسرائيل بتراكم “فائض القوة” دون إنجاز سياسي مستقر، حيث تستمر في فرض وقائع على الأرض في غزة والضفة تغلق باب حل الدولتين، لكنها لا تنهي الصراع بل تعيد إنتاجه داخل فضاء واحد بين النهر والبحر.
النتيجة أن قضية غزة أصبحت “منسية” رغم أهميتها الاستراتيجية والإنسانية، ستة أشهر مرت على وقف إطلاق النار، وما زالت الحياة في القطاع بين الحرب والسلام: لا حرب واسعة، ولا سلام حقيقي، الإعمار متعثر، هذا الفراغ يخدم مخططات الاحتلال، الذي يرى في “النسيان” فرصة لتسريع سياسات الضم والتهويد، ونزع سلاح المقاومة، وفرض واقع جديد يتجاوز اتفاقات أوسلو.
إن هذا الواقع قلقا عميقا، مصر، بقيادتها الحكيمة، لعبت دورا محوريا في الوساطة لوقف إطلاق النار في غزة، وفتح المعابر، ودعم الشعب الفلسطيني، لكن في ظل التصعيد مع إيران، أصبح الحفاظ على الاستقرار في غزة أمرا أكثر تعقيدا، المنطقة كلها تدفع ثمن “الحروب المتسلسلة”: استنزاف اقتصادي، ونزوح ملايين، وتهديد لأمن الملاحة في الممرات الحيوية إذا استمر “نسيان” غزة، فإن ذلك سيؤدي إلى تراكم الإحباط والغضب، مما قد يفجر دوامة جديدة من العنف، تعيد المنطقة إلى مربع الصفر.
القضية الفلسطينية ليست مجرد صراع محلي؛ إنها محور الاستقرار الإقليمي، غياب حل عادل لها يبقي الشرق الأوسط في حالة توتر دائم، مع محاولات ترميم صورة إسرائيل وإعادة تأهيلها إقليميا من خلال التطبيع، مع محاولة إخراج حماس من المعادلة السياسية لكن هذا المسار يتجاهل الواقع الأساسي: الشعب الفلسطيني لن يقبل بتصفية قضيته، والصمود الذي سطره في غزة خلال “كارثة التطهير والإبادة” سيظل وقودا للمقاومة.
من هنا، يجب على المجتمع الدولي، وخاصة الدول العربية والإسلامية، أن يعيد غزة إلى صدارة الأولويات لا يكفي التصريحات المنددة؛ بل يلزم ضغط دبلوماسي حقيقي لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، ودعم إعادة الإعمار، وإحياء مسار سياسي يؤدي إلى دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 بعاصمتها القدس الشرقية و مصر، كدولة محورية، قادرة على لعب دور أكبر في هذا السياق، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع كل الأطراف.
في الختام، “النسيان” الذي يصيب غزة اليوم ليس نهاية القضية، بل اختبار للضمير الإنساني والإرادة السياسية، الحرب على إيران قد تكون الشاغل الحالي، لكن جذور التوتر في المنطقة تبقى مرتبطة بالاحتلال والظلم التاريخي في فلسطين، و إعادة الاهتمام بغزة ليست رفاهية، بل ضرورة استراتيجية لاستقرار الشرق الأوسط بأسره، الشعب الفلسطيني يستحق أكثر من أن يكون “منسيا” في حسابات الحروب الكبرى؛ إنه يستحق عدلا يعيد له كرامته وحقوقه.





