السبت، 8 أغسطس 20266:02 مساءً
آراء حرة

اللواء د. رضا فرحات يكتب : الهوية الرقمية.. وحماية المواطن

السبت، 08 أغسطس 2026 02:20 مساءً
اللواء د. رضا فرحات يكتب : الهوية الرقمية.. وحماية المواطن
اللواء د. رضا فرحات
15

تخيل أن تفتح هاتفك ذات صباح، فتكتشف أن هناك رقما مسجلا باسمك، لا تعرفه، ولم تشتره، ولم تستخدمه يوما، قد يبدو الأمر في البداية مجرد خطأ يمكن تصحيحه بإجراء بسيط، لكن الصورة تصبح أكثر خطورة إذا كان هذا الرقم قد استخدم في إجراء غير قانوني أو ارتبط بحسابات أو معاملات لا علاقة لك بها، هنا لا تعود المشكلة في رقم مجهول، وإنما في هوية جرى استخدامها دون علم صاحبها.

 

هذه هي المفارقة التي تفرض نفسها بقوة مع ما أثير بشأن وجود خطوط محمول مسجلة بأسماء مواطنين دون علمهم، وما ترتب على ذلك من مخاوف لدى بعض المواطنين من تحمل تبعات قانونية لأفعال لم يرتكبوها، وفي مثل هذه الحالات، يصبح السؤال الأهم ليس فقط: من استخدم الخط؟ وإنما: كيف سجل الخط أصلا باسم شخص لم يطلبه؟

 

القضية تستحق أن ننظر إليها باعتبارها جزءا من معركة أكبر تتعلق بحماية البيانات الشخصية والهوية الرقمية للمواطن، فخط المحمول لم يعد مجرد وسيلة لإجراء مكالمة أو إرسال رسالة، وإنما أصبح مرتبطا بخدمات مصرفية ومحافظ إلكترونية وتطبيقات ومنصات رقمية وحسابات شخصية، وبالتالي فإن السيطرة على رقم الهاتف قد تعني في بعض الحالات الوصول إلى جزء مهم من الحياة الرقمية لصاحبه.

 

ومن هنا تأتي أهمية إعادة إتاحة خدمة «أرقامي» عبر تطبيق My NTRA، باعتبارها وسيلة تتيح للمواطن معرفة الخطوط المسجلة باسمه واكتشاف أي أرقام غير معلومة له، إنها خطوة مهمة لأنها تعيد للمواطن شيئا أساسيا في العصر الرقمي: حق المعرفة والسيطرة على بياناته الشخصية.

 

لكن معرفة المشكلة بعد حدوثها لا تكفي، الهدف الحقيقي لأي منظومة حماية يجب أن يكون منع المشكلة من الأصل، وإذا كان تسجيل خط محمول يرتبط بهوية شخص، فمن المنطقي أن تكون عملية التسجيل نفسها قائمة على آلية تحقق قوية تمنع استخدام بيانات شخص آخر أو تسجيل خط باسمه دون علمه.

 

وهنا تبرز أهمية استكمال منظومة التحقق البيومتري عند تسجيل وتفعيل خطوط المحمول، التكنولوجيا التي دخلت بالفعل في العديد من المعاملات والخدمات أصبحت قادرة على تقديم مستويات أعلى من التحقق من الهوية، ويمكن توظيفها لتقليل فرص انتحال الشخصية أو استخدام بيانات المواطنين في تسجيل خطوط لا تخصهم.

 

لكن التكنولوجيا وحدها لن تكون كافية، نحن بحاجة إلى منظومة متكاملة تبدأ من منافذ بيع الخطوط، ولا تنتهي عند قواعد البيانات الإلكترونية، المطلوب رقابة حقيقية على إجراءات التسجيل، ومراجعة مستمرة للخطوط المسجلة، وآليات واضحة لاكتشاف الحالات غير الطبيعية، خصوصا الخطوط التي لم يتم استخدامها لفترات طويلة أو التي تظهر بشأنها مؤشرات تستدعي المراجعة.

 

كما أن المواطن يحتاج إلى أن يعرف فورا إذا جرى تسجيل خط جديد باسمه، رسالة نصية أو إشعار إلكتروني موثق يمكن أن يكون كافيا لاكتشاف الخطأ في لحظته، بدلا من أن يظل المواطن بعيدا عن معرفة ما يجري في بياناته، ثم يفاجأ بعد فترة بوجود رقم لم يسمع عنه من قبل.

 

والأمر نفسه ينطبق على إجراءات إلغاء الخطوط غير المعلومة، لا ينبغي أن يجد المواطن نفسه أمام إجراءات معقدة حتى يثبت أن رقما لا يخصه، يجب أن يكون هناك مسار إلكتروني سريع وواضح للاعتراض، مع تحديد مدد زمنية لفحص الشكوى والبت فيها، وضمان ألا يتحمل المواطن تكلفة أو عبئا إضافيا بسبب استخدام بياناته دون موافقته.

 

وفي الجانب القانوني، تظل نقطة بالغة الأهمية: مجرد تسجيل خط باسم المواطن لا ينبغي أن يعني تلقائيا تحميله مسؤولية أي فعل تم من خلاله إذا ثبت أن الخط لا يخصه ولم يكن في حيازته أو تحت سيطرته الفعلية، المسؤولية القانونية يجب أن ترتبط بالفعل وبمرتكبه وبعلاقته الحقيقية بالأداة المستخدمة، لا بمجرد وجود اسم في قاعدة بيانات.

 

وفي المقابل، فإن أي جهة أو شخص يثبت تورطه في تسجيل خطوط باستخدام بيانات المواطنين بالمخالفة للقواعد يجب أن يخضع للمحاسبة، المسألة ليست مخالفة ورقية بسيطة؛ لأن إساءة استخدام البيانات قد تكون مدخلا إلى انتحال صفة أو احتيال أو ارتكاب جرائم باستخدام هوية شخص آخر، وهنا تظهر أيضا أهمية دور شركات الاتصالات ومنافذ البيع، الثقة في قطاع الاتصالات لا تبنى فقط على جودة الشبكة أو سرعة الخدمة، وإنما على شعور المواطن بأن بياناته محمية، وأن هناك نظاما قادرا على اكتشاف الخطأ ومحاسبة المتسبب فيه ومعالجة آثاره بسرعة.

 

في المقابل لا يمكن إغفال مسؤولية المواطن نفسه، الوعي الرقمي أصبح ضرورة يومية، والاستعلام من وقت لآخر عن الخطوط المسجلة باسم الشخص، وعدم تسليم بطاقة الرقم القومي أو بياناتها لجهات غير موثوقة، وعدم السماح باستخدام البيانات الشخصية في إجراءات غير معلومة، كلها ممارسات بسيطة يمكن أن تمنع مشكلات كبيرة.

 

لقد أصبحت حماية البيانات الشخصية جزءا من مفهوم الأمن المجتمعي، المواطن الذي يفقد السيطرة على بياناته قد يتعرض لمخاطر قانونية أو مالية أو اجتماعية، ولذلك فإن حماية الهوية الرقمية ليست شأنا تقنيا يخص خبراء الاتصالات فقط، وإنما مسؤولية مشتركة بين الدولة والجهات المنظمة وشركات الاتصالات والمواطن.

 

والمطلوب خلال المرحلة المقبلة ألا تظل المنظومة في موقع رد الفعل؛ أي أن نكتشف الخطوط غير المعلومة بعد تسجيلها، ثم نبدأ البحث عن المسؤول عنها، الأفضل أن نصل إلى مرحلة يكون فيها تسجيل الخط نفسه غير ممكن إلا بعد التحقق الحقيقي من هوية صاحبه، مع إخطار المواطن فورا، وإتاحة وسيلة اعتراض سريعة، ومحاسبة واضحة عند وجود أي تلاعب، فالثقة هي الأساس الذي يقوم عليه التحول الرقمي وكل خدمة إلكترونية جديدة لن تحقق أهدافها كاملة إذا ظل المواطن يشعر بأن بياناته يمكن أن تستخدم بعيدا عنه أو دون علمه.

 

وربما يكون السؤال الأهم الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: كم خطا مسجلا باسمك؟ وإنما: هل أنت متأكد أن كل رقم يحمل اسمك يحمل أيضا موافقتك؟

من هنا تبدأ حماية الهوية الرقمية، ومن هنا أيضا يجب أن تبدأ مسؤولية الدولة في بناء منظومة اتصالات أكثر أمانا وشفافية، يكون فيها المواطن صاحب البيانات، لا ضحية استخدامها.