الأربعاء، 22 يوليو 20266:15 مساءً
آراء حرة

د. أحمد موسي يكتب: حرب الأعصاب الكبرى.. من يربح اللحظة الفاصلة بين واشنطن وطهران؟

الأربعاء، 22 يوليو 2026 02:05 مساءً
د. أحمد موسي يكتب: حرب الأعصاب الكبرى.. من يربح اللحظة الفاصلة بين واشنطن وطهران؟
أحمد موسي
15

حين تتحول أزمة دولية إلى مادة للتغطية اليومية، تميل القراءة العامة إلى اختزالها في ثنائية الحرب والسلم، وهي ثنائية مضلِّلة في حالة الملف الأمريكي- الإيراني تحديداً. فما يجري منذ مطلع 2026 ليس حرباً كلاسيكية بالمعنى الذي تحمله كلمة الحرب في الوعي الجمعي، وليس هو أيضاً أزمة دبلوماسية عابرة تُحل بجولة تفاوض أو بيان مشترك. إنه نمط أقرب إلى ما يصفه أدبيات العلاقات الدولية بـ«الصراع المُدار» ، حيث يستخدم كل طرف أدوات القوة تدريجياً وبجرعات محسوبة، سعياً لتعديل موازين التفاوض لا لحسم المعركة عسكرياً بالمعنى الشامل.

هذا التمييز ليس ترفاً منهجياً؛ فهو الذي يفسر التناقض الظاهري بين اتساع رقعة الضربات العسكرية من جهة، وبقاء قنوات الوساطة – وإن بشكل خافت – مفتوحة من جهة أخرى. فالطرفان، رغم لغة الخطاب الحادة، ما زالا يتصرفان وفق حسابات تكلفة وعائد، لا وفق منطق «الحرب الشاملة» الذي يُسقط كل اعتبار للكلفة.

 

ثانياً: من الاحتجاجات إلى الانفجار – جذور المسار

 

لفهم اللحظة الراهنة، لا بد من العودة إلى نقطة التحول الأولى: موجة الاحتجاجات الإيرانية التي تصاعدت في مطلع 2026 وما رافقها من قمع واسع وأعداد قتلى واعتقالات جماعية. هذه اللحظة الداخلية الإيرانية شكّلت الذريعة السياسية التي بُنيت عليها التهديدات الأمريكية بعمل عسكري، فيما حشدت واشنطن أصولاً جوية وبحرية في المنطقة بمستوى لم تشهده منذ غزو العراق في مطلع الألفية.

وفي نهاية فبراير 2026، انتقل التهديد إلى التنفيذ: ضربات جوية واسعة استهدفت مواقع في طهران، من بينها محيط القصر الرئاسي ومقار أمنية، أطلقت عليها إسرائيل اسم «زئير الأسد» وأطلقت عليها واشنطن اسم «الغضب الملحمي». الرد الإيراني جاء بدوره متعدد الجبهات: عشرات الصواريخ الباليستية والمسيّرات طالت إسرائيل ودول خليجية عدة، إضافة إلى الأردن وسوريا وتركيا والعراق، بينما انخرط حزب الله والحوثيون في المواجهة دعماً لطهران. هذا التوسع السريع في رقعة الاشتباك كشف عن حقيقة جوهرية: أن الأزمة الإيرانية-الأمريكية لم تعد ثنائية الطرف، بل باتت شبكة إقليمية متداخلة من التحالفات والردع المتبادل.

 

المفارقة أن الهدنة التي أعقبت هذه الجولة الأولى – بوساطة باكستانية وبدأت في الثامن من أبريل – لم تكن نتاج تسوية سياسية حقيقية، بل توقفاً تكتيكياً أملته حاجة الطرفين لالتقاط الأنفاس، وهو ما يفسر هشاشتها اللاحقة.

 

 

 

 

ثالثاً: انهيار «مذكرة التفاهم» – قراءة في توقيت التصعيد الثاني

 

لم تصمد الهدنة طويلاً. فمنذ منتصف يوليو الجاري، دخلت الأزمة موجتها الثانية والأكثر خطورة: ضربات أمريكية متتالية استمرت لأكثر من أسبوع متواصل، طالت جسوراً ومحطات كهرباء ومواقع عسكرية على امتداد السواحل الإيرانية القريبة من مضيق هرمز، فيما ردّ الحرس الثوري باستهداف سفن تجارية في المضيق ذاته. وفي مؤشر بالغ الدلالة، أعلنت واشنطن إلغاء الإعفاء الذي كانت تمنحه لبعض صادرات النفط الإيرانية، واعتبرت أن «مذكرة التفاهم» التي كانت تنظّم الهدنة الأولى أصبحت لاغية فعلياً.

الأهم من التسلسل الزمني للأحداث هو قراءة المنطق الكامن خلف توقيتها. فقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إعادة فرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، مقروناً بفرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز، لا يمكن فصله عن حسابات داخلية أمريكية تتعلق بأسعار الطاقة وتوقيتها الانتخابي، بقدر ما يعكس أيضاً قناعة لدى الإدارة الأمريكية بأن الضغط الاقتصادي المباشر على الملاحة والصادرات النفطية الإيرانية بات أكثر جدوى من الاكتفاء بالضربات العسكرية المتقطعة.

في المقابل، بدت طهران وقد اختارت خطاباً أكثر حدة، وصفته بعض تصريحاتها الرسمية بأنه «حرب وجودية»، وهي صياغة تكشف تحولاً في الإطار الذهني الذي يحكم القرار الإيراني: من إدارة أزمة إلى الدفاع عن بقاء النظام ذاته. وهذا التحول الخطابي له كلفته الاستراتيجية، إذ يضيّق هامش المناورة التفاوضي أمام القيادة الإيرانية، ويجعل أي تنازل قابلاً للتأويل الداخلي كاستسلام، في وقت يشتد فيه التيار المتشدد داخل مؤسسات النظام معارضةً لأي عودة إلى طاولة المفاوضات.

 

رابعاً: هرمز.. حين تتحول الجغرافيا إلى سلاح استراتيجي

 

يمثل مضيق هرمز نموذجاً كلاسيكياً لما يُعرف في أدبيات الجيوسياسة بـ«نقاط الاختناق» ، حيث يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية. وما يجري اليوم هو استثمار متبادل لهذه الحقيقة الجغرافية: واشنطن توظّف حصارها وتهديدها بضرب البنية التحتية كأداة ضغط اقتصادي مباشر على قدرة إيران على التصدير، بينما توظّف طهران تهديدها بإغلاق المضيق – وتنفيذها الفعلي لإغلاق متقطع – كورقة ضغط مضادة تُحمّل الاقتصاد العالمي كلفة الأزمة، سعياً لتوليد ضغط دولي يدفع باتجاه كبح التصعيد الأمريكي.

انعكس هذا الصراع مباشرة على أسواق الطاقة: قفزت أسعار النفط بأكثر من تسعة بالمئة في جلسة واحدة عقب إعلان الحصار الأمريكي، وتجاوز خام برنت مستوى الثمانين دولاراً للبرميل، وسط تحذيرات من مؤسسات مالية دولية من احتمال تجاوزه المئة دولار إذا استمر التصعيد وتراجعت الاحتياطيات العالمية. كما أشارت تقديرات مصرفية إلى تراجع صادرات دول الخليج النفطية إلى أقل من نصف مستوياتها المعتادة خلال أسبوع واحد فقط، وهو مؤشر على أن كلفة الأزمة لم تعد مقتصرة على طرفيها المباشرين، بل امتدت لتشمل اقتصادات لا ناقة لها ولا جمل في أصل الخلاف.

 

البعد الجيواقتصادي: من يدفع الثمن فعلياً؟

 

المفارقة الاستراتيجية هنا أن الطرفين المتقاتلين ليسا بالضرورة الأكثر تضرراً اقتصادياً من إغلاق الممر؛ فالكلفة الحقيقية يتحملها ثالوث آخر: الدول الخليجية المصدّرة التي ترى صادراتها تنهار رغم عدم كونها طرفاً في الصراع، والاقتصادات المستوردة للطاقة في آسيا وأوروبا التي تواجه تضخماً مستورداً عبر ارتفاع كلفة الشحن والتأمين البحري، وصندوق النقد الدولي الذي خفّض بالفعل توقعاته للنمو العالمي متأثراً بإعادة تسعير المخاطر في الأسواق المالية. هذا التوزيع غير المتماثل للكلفة هو بالضبط ما يمنح الأزمة بُعدها الدولي، ويحوّلها من نزاع ثنائي إلى مادة ضغط جماعي على الفاعلين الإقليميين والدوليين لاستعادة الوساطة.

 

خامساً: خريطة الفاعلين ومنطق كل طرف

 

لفهم مسارات الأزمة المحتملة، من المفيد تفكيك موقف كل فاعل رئيسي على حدة، بحسب أدواته وحساباته الاستراتيجية الخاصة:

 

الموقف الاستراتيجي الدور في الأزمة الفاعل

تصعيد محسوب بضغط اقتصادي وعسكري متدرّج لانتزاع تفاوض من موقع قوة ضربات جوية متكررة، حصار بحري، فرض رسوم عبور على هرمز الولايات المتحدة

مقاومة استنزافية، توظيف الجغرافيا كورقة ضغط عبر التهديد بإغلاق الممر الحيوي استهداف الملاحة التجارية، إغلاق متقطع لمضيق هرمز، خطاب “الحرب الوجودية” إيران

انكفاء تكتيكي ريثما تتضح الصورة، مع الحفاظ على قنوات اتصال خلفية وساطة سابقة عبر لقاء لوسيرن، صمت لافت في الأيام الأخيرة قطر وباكستان (الوسيطان)

حياد قلق مع تحمّل أعباء اقتصادية مباشرة من اضطراب الملاحة والتصدير تراجع حاد في صادرات النفط الخليجية، تعرّض السواحل والمصالح لتهديدات جانبية دول الخليج

امتصاص الصدمة عبر أسواق الطاقة والتضخم المستورد، بلا قدرة فعلية على الكبح قلق من تعطل سلاسل الإمداد وارتفاع كلفة الطاقة على النمو العالمي الاقتصاد الدولي

 

ما تكشفه هذه الخريطة أن الوسيطين التقليديين – قطر وباكستان، اللذين رعيا اجتماع لوسيرن في سويسرا خلال يونيو الماضي – يلتزمان صمتاً لافتاً منذ منتصف يوليو، في مؤشر على أن هامش الوساطة قد ضاق مؤقتاً في ظل تصلّب الموقفين الأمريكي والإيراني. غير أن التحليل الاستراتيجي يشير إلى أن هذا الصمت غالباً ما يكون تكتيكياً لا نهائياً؛ فالوسطاء الإقليميون يميلون إلى الانكفاء وقت الذروة العسكرية، على أن يعاودوا الظهور فور تبلور حافز اقتصادي أو سياسي كافٍ – وأبرزه هنا احتمال تجاوز أسعار النفط عتبة حرجة تُنذر بذعر في الأسواق العالمية.

 

سادساً: الارتدادات الإقليمية والدولية

 

لا يمكن قراءة الأزمة بمعزل عن ملفين إقليميين متلازمين: الأول هو مسار الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من مناطق جنوب لبنان، والذي يبدو أنه يتحرك بشكل مواز – لا مرتبط بالضرورة – مع محاولات إحياء «مذكرة التفاهم» عبر هدنة مؤقتة مقترحة لعشرة أيام. والثاني هو حالة الترقب الحذر في أسواق الطاقة والملاحة الدولية، حيث تراقب شركات الشحن العالمية الكبرى تطورات هرمز عن كثب، مع بوادر لإعادة توجيه بعض حركة النقل عبر خطوط أنابيب بديلة، وإن ظلت طاقتها الاستيعابية محدودة مقارنة بحجم التدفق المعتاد عبر المضيق.

أما على المستوى الدولي الأوسع، فإن الأزمة تعيد إلى الواجهة نقاشاً بنيوياً حول هشاشة النظام الاقتصادي العالمي أمام الاختناقات الجغرافية الفردية، وتكشف – مرة أخرى – عن غياب آلية دولية فاعلة قادرة على ضبط أزمة إقليمية قبل أن تتحول إلى عبء جماعي على النمو والتضخم العالميين.

 

 

 

 

سابعاً: سيناريوهات المرحلة المقبلة

 

استناداً إلى منطق الفاعلين وحساباتهم المتقاطعة، يمكن رسم ثلاثة مسارات محتملة لتطور الأزمة خلال الأسابيع المقبلة، مع تفاوت في احتمالية كل منها:

 

الاحتمالية التقديرية الوصف السيناريو

متوسطة عودة وساطة قطرية-باكستانية إلى هدنة جزئية تجمّد التصعيد دون تفكيك جذور الأزمة هدنة هشة جديدة

مرتفعة في المدى القريب استمرار دورة ضربات-رد فعل محدودة الأثر مع بقاء هرمز مسرحاً للتوتر دون إغلاق كامل استنزاف متحكَّم به

منخفضة لكن غير مستبعدة انزلاق نحو إغلاق كامل للمضيق وتوسع إقليمي يشمل جبهات موازية عبر فاعلين من غير الدول انفلات إقليمي

 

الملاحظة الاستراتيجية الجوهرية أن السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب ليس الحسم في أي من الاتجاهين، بل استمرار حالة «الاستنزاف المتحكَّم به» التي تتيح لكل طرف الادعاء بأنه لم يتراجع، بينما يُبقي كلاهما الباب مواربـاً أمام تفاوض لاحق. هذا النمط من الصراعات المطوّلة يخدم عادةً الطرف الأكثر قدرة على تحمّل الكلفة الاقتصادية والسياسية لأطول فترة، وهو معيار يفرض على أي قراءة مستقبلية جادة أن تتابع مؤشرين أساسيين: منسوب الاحتياطيات النفطية العالمية، ومدى تماسك الجبهة الداخلية الإيرانية في ظل الضغط الاقتصادي المتصاعد.

 

ثامناً: تقييم ختامي – قراءة في منطق التصعيد لا في وقائعه فقط

 

إن ما يميز هذه الجولة الثانية من الأزمة عن سابقتها في فبراير-أبريل هو انتقال ساحة المواجهة الفعلية من الفضاء العسكري المباشر إلى الفضاء الجيواقتصادي؛ فالحصار البحري، ورسوم عبور هرمز، وإلغاء الإعفاءات النفطية، كلها أدوات ضغط اقتصادي بامتياز، وإن ارتدت غطاءً عسكرياً. هذا التحول له دلالته: فهو يشي بأن واشنطن استخلصت من الجولة الأولى أن الضربات العسكرية وحدها، رغم اتساعها، لم تُفضِ إلى تغيير جوهري في الحسابات الإيرانية، فلجأت إلى مزيج مركّب من الضغط العسكري والخنق الاقتصادي المتزامن.

في المقابل، فإن تبني طهران خطاب «الحرب الوجودية» يعكس إدراكاً بأن المعركة، من منظورها، لم تعد تتعلق بملف نووي أو صواريخ باليستية بقدر ما باتت تتعلق ببقاء النظام في مواجهة ضغط داخلي وخارجي متزامن؛ وهو ما يجعل من الصعب التكهن بأن يكون التصعيد الحالي، مهما بلغت حدته، كافياً وحده لإنتاج تسوية شاملة، ما لم يقترن بحافز اقتصادي حاد كفيل بإعادة الوسطاء الإقليميين إلى الواجهة، أو بتحول داخلي إيراني يعيد ترتيب أولويات القيادة.

الخلاصة الاستراتيجية أن الأزمة الأمريكية-الإيرانية دخلت طوراً جديداً أكثر تعقيداً من مجرد «حرب أو هدنة»: طور تتشابك فيه أدوات الردع العسكري مع أدوات الحرب الاقتصادية والجغرافيا كسلاح، في وقت يتحمل فيه أطراف ثالثة – من دول الخليج إلى الاقتصاد العالمي بأسره – الجزء الأكبر من كلفة صراع لم يُدعوا إلى طاولته. وهذا بالضبط ما يجعل من الوساطة الإقليمية، رغم تراجعها المؤقت، خياراً لا مفر من العودة إليه، ليس من باب حسن النية، بل من باب أن كلفة استمرار الأزمة باتت تفوق – لدى أطراف متعددة – كلفة العودة إلى طاولة التفاوض.