الثلاثاء، 21 يوليو 202612:44 صباحاً
آراء حرة

د. محمد عبد الفتاح يكتب : الطاقة المستدامة.. رهانات الاقتصاد ورؤية المستقبل

الإثنين، 20 يوليو 2026 03:29 مساءً
د. محمد عبد الفتاح يكتب : الطاقة المستدامة.. رهانات الاقتصاد ورؤية المستقبل
د. محمد عبدالفتاح
15

في أدبيات الاقتصاد السياسي، لم تعد الطاقة مجرد قطاع إنتاجي، بل أصبحت أحد أهم محددات القوة الاقتصادية والنفوذ الجيوسياسي. واليوم، تتسابق الدول على امتلاك سلاسل القيمة المرتبطة بالطاقة النظيفة، ليس فقط لتحقيق أهداف الاستدامة البيئية، وإنما أيضًا لضمان موقع متقدم في اقتصاد المستقبل، الذي تشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة إلى أنه سيشهد استثمارات عالمية في قطاع الطاقة النظيفة تتجاوز تريليوني دولار سنويًا خلال السنوات المقبلة.

 

وفي هذا السياق، تأتي الحزمة التشريعية والاستثمارية التي أطلقتها الدولة المصرية لتوطين صناعات الطاقة الجديدة والمتجددة والهيدروجين الأخضر ومشتقاته، باعتبارها خطوة تتجاوز فكرة تقديم حوافز ضريبية أو جمركية، لتعكس تحولًا في فلسفة التنمية الاقتصادية يقوم على استقطاب الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني في القطاعات الأكثر نموًا عالميًا.

 

فالقانون رقم (2) لسنة 2024 بشأن حوافز مشروعات إنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته، إلى جانب التعديلات على قانون الاستثمار رقم (72) لسنة 2017، يؤكدان أن الدولة تتجه نحو بناء بيئة استثمارية أكثر مرونة ووضوحًا، إدراكًا منها أن المنافسة على جذب الاستثمارات في صناعات المستقبل لم تعد تقتصر على الموقع الجغرافي أو حجم السوق، وإنما أصبحت تعتمد بالدرجة الأولى على سرعة الإجراءات، واستقرار التشريعات، وكفاءة الحوافز.

 

وتتضمن الحزمة الجديدة عددًا من المزايا النوعية، من بينها حافز استثماري نقدي يتراوح بين 33% و55% من قيمة الضريبة المسددة، وإعفاء الصادرات من ضريبة القيمة المضافة بسعر صفر، ومنح المستثمرين نظام «الموافقة الواحدة» (الرخصة الذهبية)، فضلًا عن توحيد الضريبة الجمركية على الآلات والمعدات بنسبة 2%، وتخفيض مقابل حق الانتفاع بالأراضي الصناعية ورسوم بعض الخدمات بالموانئ. وتمثل هذه الإجراءات رسالة واضحة للمستثمرين بأن الدولة تسعى إلى تقليل تكلفة الاستثمار وتسريع دورة تنفيذ المشروعات، وهي عوامل أصبحت حاسمة في قرارات الاستثمار الدولية.

 

غير أن أهمية هذه التشريعات لا تكمن في حجم الحوافز وحدها، وإنما في نوعية الصناعات المستهدفة. فقد اتجهت الدولة إلى تشجيع تصنيع خلايا الطاقة الشمسية، والمحللات الكهربائية (Electrolysers)، ومكونات توربينات الرياح، وكابلات الألياف الضوئية، وهي صناعات تمثل حلقات رئيسية في سلاسل القيمة العالمية للطاقة النظيفة، وتوفر فرصًا كبيرة لزيادة الصادرات الصناعية وتعميق التصنيع المحلي.

 

ويبرز هنا بُعد آخر لا يقل أهمية، يتمثل في ربط الحوافز بتوطين التكنولوجيا وتنمية المكون المحلي. فقد ألزمت الضوابط المنظمة للمشروعات بألا تقل نسبة المكون المحلي عن 20%، إلى جانب اشتراط نقل التكنولوجيا وتدريب العمالة الوطنية. ويعكس هذا التوجه إدراكًا لدرس اقتصادي مهم، مفاده أن جذب الاستثمارات الأجنبية لا يحقق التنمية المستدامة ما لم يقترن ببناء قدرات صناعية وبشرية قادرة على إنتاج المعرفة وتطويرها، لا الاكتفاء باستيرادها.

 

كما أن إطلاق «منصة مصر الصناعية الرقمية» وتبسيط إجراءات تخصيص الأراضي والتراخيص، وتحمل الخزانة العامة لبعض الأعباء الضريبية، يمثل استكمالًا للإصلاحات المؤسسية الهادفة إلى تحسين مناخ الأعمال. فالتجارب الدولية تؤكد أن المستثمر يقيم البيئة الاستثمارية من خلال منظومة متكاملة تشمل التشريع، وسرعة الإجراءات، وكفاءة البنية التحتية، واستقرار السياسات الاقتصادية.

 

ورغم أهمية هذه الخطوات، فإن نجاحها سيظل مرهونًا بسرعة التنفيذ، واستقرار السياسات، والقدرة على تحويل الحوافز التشريعية إلى مشروعات إنتاجية فعلية. فالمنافسة الإقليمية في مجال الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة تتسارع بصورة كبيرة، مع استثمارات ضخمة تنفذها دول في المنطقة، ما يجعل عامل الزمن عنصرًا حاسمًا في جذب الاستثمارات العالمية.

 

وفي المحصلة، فإن الحوافز الجديدة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد إعفاءات ضريبية أو مزايا استثمارية، بل باعتبارها جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة تموضع الاقتصاد المصري داخل خريطة الاقتصاد الأخضر العالمي. وإذا اقترنت هذه الرؤية بحسن التنفيذ، واستمرار تطوير البنية التشريعية والمؤسسية، فإن مصر تمتلك بالفعل مقومات التحول إلى مركز إقليمي لإنتاج الطاقة النظيفة وصناعاتها، بما يعزز النمو الاقتصادي، ويرفع القدرة التنافسية، ويفتح آفاقًا جديدة للتصدير والتشغيل في العقود المقبلة.