
قد تبدو بعض الوقائع صغيرة في تفاصيلها، لكنها أحيانًا تفتح الباب أمام أسئلة أكبر تتعلق بطريقة إدارة الدولة، وعلاقة المسؤول بالموظف، وعلاقة المواطن بمؤسسات دولته.
وما يحدث داخل مدرسة أو خلال جولة تفقدية لا ينبغي أن نتوقف أمامه باعتباره واقعة عابرة، بل علينا أن نسأل: أي إدارة محلية نريد؟ وأي ثقافة قيادة نريد أن نرسخها في مؤسسات الدولة وفي نفوس أبنائنا؟
لا خلاف على حق المسؤول التنفيذي في الرقابة والمتابعة والمحاسبة عند وجود تقصير، بل إن النزول إلى أرض الواقع ضرورة لكشف الفارق بين التقارير والحقيقة. لكن هيبة الدولة لا تعني أن يخاف الموظف من المسؤول، وإنما أن يحترم الجميع القانون والمؤسسة.
فالمدرسة ليست مجرد مبنى للتعليم، وإنما مكان يتعلم فيه أبناؤنا معنى النظام والحقوق والواجبات واحترام الآخر. ولذلك فإن طريقة تعامل المسؤول مع مدير المدرسة والمعلمين والطلاب هي في حد ذاتها رسالة تربوية
فإذا رأى الطفل أن السلطة تعني رفع الصوت، وأن الخطأ يعالج بالإهانة، وأن المسؤول لا يستمع قبل أن يحكم، فماذا نعلمه عن القيادة؟
طريقة المحاسبة نفسها درس تربوي.
المحاسبة التي تقوم على السؤال والتحقق والاستماع وتحديد المسؤولية ثم تطبيق القانون، تبني احترامًا للمؤسسة. أما المحاسبة القائمة على التشهير أو الحكم المسبق، فقد تصنع الخوف لكنها لا تصنع إدارة قوية.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل نريد موظفًا يخاف من المسؤول، أم موظفًا يستطيع أن يقول الحقيقة ويعرض موقفه ثم يتحمل مسؤوليته إذا أخطأ؟
الدولة الحديثة تحتاج إلى موظف يمتلك الشجاعة المهنية ليقول: هذا ما حدث، وهذه هي المستندات، وهذه هي المشكلة. فإذا ثبت خطؤه حوسب وفق القانون، أما إذا أصبح الخوف هو اللغة السائدة، فلن تصل الحقيقة كاملة إلى متخذ القرار.
هل دور مدير المدرسة أن يدفع من ماله الخاص؟
وهنا نصل إلى سؤال لا يقل أهمية: إذا اضطر مدير مدرسة إلى الإنفاق من ماله الخاص لتوفير احتياجات ضرورية، فلا ينبغي أن يكون السؤال الوحيد: لماذا أنفق
بل يجب أن نسأل:
أين كانت الموارد؟
وأين كانت الإدارة التعليمية؟
وأين كانت المحافظة؟
وأين كانت الجهة المختصة في الوزارة؟
ومن المسؤول عن توفير احتياجات المدرسة؟
فالمدير مسؤول عن الإدارة، وليس ممولًا للمؤسسة التي يديرها.
وبالطبع، إذا ثبت أن الإنفاق تم بالمخالفة للقواعد أو دون مستندات أو ضرورة، فالمحاسبة واجبة. لكن العدالة تقتضي أن نبحث عن سلسلة المسؤولية كاملة، وألا نحاسب الحلقة الأخيرة وحدها.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط: من أخطأ؟ وإنما: لماذا حدث الخطأ؟ ومن كان مسؤولًا عن منعه؟ ومن امتلك أدوات إصلاحه ولم يستخدمها؟
أما الجلباب أو الملابس، فلا يمكن أن تكون معيارًا للكفاءة. الجلباب لا يصنع موظفًا فاشلًا، والبدلة لا تصنع موظفًا ناجحًا. المعيار الحقيقي هو الأداء والانضباط والإنجاز والالتزام بالقانون. وإذا كانت هناك قواعد للزي، فلتطبق وفق اللوائح على الجميع، لا باعتبار الملابس حكمًا على شخصية الإنسان أو كفاءته
ومن هنا تبدأ قضية المحليات
إن ما يحدث داخل مدرسة قد يكون مدخلًا للحديث عن قضية أكبر: إصلاح الإدارة المحلية.
نحن بحاجة إلى محليات قوية، لكن قوة المحليات لا تعني تعدد السلطات أو تداخل الاختصاصات. القوة الحقيقية تعني:
وضوح الاختصاص، وسرعة القرار، وتوفير الموارد، وعدالة المحاسبة.
يجب أن تكون هناك خريطة واضحة للعلاقة بين المحافظة، والإدارة التعليمية، والوزارة، والوحدات المحلية، بحيث يعرف كل مسؤول ما له وما عليه، ويعرف المواطن من المسؤول عن حقه.
فاللامركزية التي نريدها ليست تعددًا في مراكز السلطة، وإنما اقتراب القرار من المواطن، وسرعة الاستجابة، ووضوح المسؤولية.
علينا أن نجيب بوضوح عن أربعة أسئلة:
من يقرر؟
ومن ينفذ؟
ومن يتابع؟
ومن يُحاسب؟
فالمحافظ ليس مطلوبًا منه أن يدير كل التفاصيل بنفسه، وإنما أن يقود منظومة متكاملة، ويضمن عدم ضياع المسؤولية بين الجهات المختلفة.
كما أن الجولة الميدانية الناجحة ليست تلك التي تنتهي بأكبر عدد من الجزاءات، وإنما التي تنتهي بعدد أقل من المشكلات في الجولة التالية.
فالمسؤول الناجح لا يسأل فقط: من أخطأ؟ بل يسأل: لماذا حدث الخطأ؟ وكيف نمنع تكراره؟
من محاسبة الأشخاص إلى محاسبة المؤسسات
وهنا تكمن القضية الحقيقية.
لا إصلاح دون محاسبة، ولا محاسبة حقيقية دون مؤسسية.
نحن لا نريد محاسبة انتقائية تبحث عن الحلقة الأضعف، ولا نريد أن يتحول الموظف إلى كبش فداء لخلل ممتد في منظومة كاملة.
نريد محاسبة تبدأ بتحديد الاختصاص، وتتبع مسار القرار، ومراجعة الموارد والإمكانات، ثم تحديد من كان يملك سلطة التصرف، ومن كان يعلم بالمشكلة ولم يتحرك.
إذا أخطأ مدير مدرسة، فليحاسب.
وإذا قصرت إدارة تعليمية، فلتُحاسب.
وإذا أخفقت جهة تنفيذية، فلتُحاسب.
وإذا كان الخلل في منظومة التمويل أو المتابعة أو توزيع المسؤوليات، فلتخضع المنظومة نفسها للمراجعة.
لا أحد فوق المحاسبة، لكن لا يجوز أن تكون المحاسبة انتقائية.
إن الدولة القوية لا تحمي موظفًا أخطأ، ولا تتستر على مسؤول قصّر، لكنها أيضًا لا تسمح بأن يتحول الحزم إلى ظلم أو التشهير إلى بديل عن التحقيق.
الدولة القوية هي التي تحاسب الجميع، ولكن كلًّا في حدود مسؤوليته.
وهنا يأتي دورنا السياسي والبرلماني: أن ندعم الرقابة والمحاسبة، وفي الوقت نفسه نطالب بأن تكون قانونية وموضوعية وموثقة، وأن تمتد إلى كامل سلسلة المسؤولية.
فنحن لا نريد محليات يخاف فيها الموظف من المسؤول، ولا محليات يختبئ فيها المسؤول خلف الموظف.
نريد مؤسسات تعرف اختصاصاتها، وقيادات تتحمل مسؤولياتها، وموظفين يستطيعون قول الحقيقة، ومواطنًا يعرف من المسؤول عن حقه.
وفي النهاية، فإن القضية ليست جلابية ولا فاتورة ولا واقعة داخل مدرسة بعينها.
القضية هي: كيف ندير الدولة؟ وكيف نمارس السلطة؟ وكيف نحاسب على الخطأ؟
نريد دولة لا تبحث عن كبش فداء، بل تبحث عن موطن الخلل.
نريد محاسبة مؤسسية لا محاسبة انتقائية، وسيادة للقانون لا هيبة للأشخاص، وقيادة بالإنجاز لا بالصوت.
فالمحاسبة ليست غايتها أن نعاقب شخصًا، وإنما أن نُصلح مؤسسة.
ودولة المستقبل التي نريدها لمصر هي دولة لا يخاف فيها أحد من الحقيقة، ولا يفلت فيها أحد من المسؤولية.
ومن المدرسة تبدأ القيادة، ومن إصلاح المحليات تبدأ ممارسة الدولة الحديثة، ومن احترام القانون والإنسان يبدأ بناء الدولة التي نريد أن نورثها لأبنائنا.





