
القاهرة ليست مجرد عاصمة مزدحمة بالسكان والسيارات والمباني، وإنما مدينة تختزن في شوارعها وميادينها ومعالمها طبقات متراكمة من التاريخ المصري، و توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بإحياء معالم القاهرة الإسلامية والتاريخية وتطوير المناطق المحيطة بها، وتحويل المساحات التي تم إخلاؤها إلى مسطحات خضراء، تحمل أهمية كبيرة على مستوى شكل المدينة وجودة الحياة بها، لأنها تتعامل مع واحدة من أكثر القضايا ارتباطا بصورة العاصمة ومستقبلها العمراني، وهي كيفية استعادة قيمة الأماكن التاريخية وإعادة تنظيم محيطها بما يحافظ على خصوصيتها ويجعلها أكثر ملاءمة للمواطنين والزائرين.
التعامل مع القاهرة التاريخية لا يمكن أن يتوقف عند حدود ترميم مبنى أثري أو تطوير شارع بعينه، لأن قيمة هذه المناطق تنبع أساسا من تكامل عناصرها، المسجد التاريخي لا ينفصل عن الشارع المؤدي إليه، والمبنى الأثري لا ينفصل عن الساحة المحيطة به، والواجهة المعمارية لا يمكن النظر إليها بعيدا عن المشهد العمراني الذي توجد فيه و تطوير المناطق المحيطة بالمعالم التاريخية بالتوازي مع أعمال الإحياء والترميم، يسمح بإظهار القيمة الحقيقية لهذه المواقع ويعيدها إلى قلب الحياة اليومية بدلا من أن تظل مجرد أماكن يمر بها المواطن دون أن يتوقف أمام ما تمثله من قيمة.
إن تحويل المساحات المخلاة إلى مسطحات خضراء يمثل خطوة عملية لها انعكاسات مباشرة على شكل المناطق المستهدفة، المساحة التي كانت تشكل فراغا غير مستغل أو عنصرا يضيف إلى المشهد العمراني قدرا من الفوضى يمكن أن تتحول إلى مساحة مفتوحة يستفيد منها السكان، وتوفر متنفسا داخل مناطق تعاني في أحيان كثيرة من ارتفاع الكثافات السكانية كما أن إدخال المساحات الخضراء إلى المناطق المحيطة بالمعالم التاريخية يمكن أن يغير الصورة البصرية للمكان بصورة واضحة، ويخلق بيئة أكثر تنظيما وجاذبية، ويمنح هذه المواقع فرصة أفضل لاستعادة حضورها داخل المدينة.
وتزداد أهمية هذه الخطوة في ظل الحاجة إلى التعامل مع الفراغات العمرانية داخل القاهرة باعتبارها جزءا من التخطيط الحضري، وليس مجرد مساحات متروكة تنتظر الاستخدام، فكل مساحة يتم إخلاؤها يمكن أن تكون فرصة لإضافة خدمة أو مساحة مفتوحة أو عنصر أخضر جديد يخدم المواطنين والنجاح هنا لا يرتبط فقط بتحويل الأرض إلى حديقة أو مساحة خضراء، وإنما بكيفية دمجها في محيطها، بحيث تصبح جزءا من الحياة اليومية للسكان، وتوفر لهم مكانا آمنا ومنظما للجلوس والحركة، وتساهم في تحسين البيئة البصرية للمنطقة.
أما القاهرة الإسلامية والتاريخية، فهي تمتلك ميزة لا تتوافر بسهولة في كثير من المدن، إذ يمكن للزائر أن ينتقل في مسافة محدودة بين شواهد عمرانية تعود إلى عصور مختلفة، وهو ما يجعل الحفاظ عليها وتطوير محيطها مسؤولية تتجاوز فكرة الحفاظ على مبانٍ قديمة نحن أمام جزء من ذاكرة المدينة، وهذه الذاكرة تحتاج إلى أن تظل حاضرة في الشارع المصري، وأن تقدم للأجيال الجديدة بصورة واضحة، لا أن تتحول إلى عناصر منفصلة عن محيطها أو أماكن لا تستفيد من قيمتها الثقافية والحضارية.
إن أعمال التطوير يجب أن تراعي طبيعة كل منطقة وخصوصيتها، وأن تبتعد عن الحلول النمطية التي قد تصلح في منطقة حديثة لكنها لا تناسب منطقة تاريخية، التنسيق الحضاري، ونوعية الإضاءة، وطبيعة التشجير، وتنظيم الحركة، واختيار الخامات، ورفع كفاءة الممرات والخدمات، كلها تفاصيل مهمة في المناطق التي تحمل قيمة تاريخية، لأنها قادرة على إبراز هوية المكان أو طمسها والتطوير الناجح هو الذي يضيف إلى المنطقة دون أن يفقدها ملامحها الأساسية.
كما أن تحسين البيئة المحيطة بالمعالم التاريخية يمكن أن يدعم الحركة السياحية والثقافية، فالسائح لا يبحث فقط عن مبنى أثري يشاهده، وإنما عن تجربة متكاملة تشمل الطريق إليه والمناطق المحيطة به وطبيعة الخدمات المقدمة في المكان وكلما كانت المنطقة أكثر نظافة وتنظيما وأمانا وجاذبية، أصبحت أكثر قدرة على استقبال الزائرين، وتحولت المعالم التاريخية إلى نقاط جذب حقيقية يمكن أن يستفيد منها الاقتصاد المحلي وأصحاب الأنشطة المرتبطة بالسياحة والحرف التقليدية والخدمات.
الأمر نفسه ينطبق على المواطن المصري، الذي يجب أن يكون حاضرا في قلب أي عملية لتطوير القاهرة التاريخية، هذه المواقع ليست موجهة للسائح فقط، وإنما هي جزء من المدينة التي يعيش فيها المواطن، ومن حقه أن يجد مناطق تاريخية منظمة ونظيفة ومفتوحة، يستطيع الوصول إليها والاستفادة منها والتعرف على تاريخها ولذلك فإن تحسين الخدمات والمساحات العامة في هذه المناطق لا يقل أهمية عن الحفاظ على المباني ذاتها.
المساحات الخضراء التي سيتم إنشاؤها في المناطق المخلاة تحتاج إلى رؤية مستدامة، لأن القيمة الحقيقية لأي مساحة مفتوحة لا تظهر لحظة افتتاحها، وإنما في قدرتها على الاستمرار والحفاظ على مستوى جيد من النظافة والصيانة والتشجير، ولذلك فإن الإدارة والصيانة والمتابعة يجب أن تكون جزءا من التخطيط منذ البداية، حتى لا تتحول المساحات الجديدة بعد سنوات إلى أماكن فاقدة لوظيفتها أو جمالها.
إن ما تحتاجه القاهرة اليوم ليس فقط المزيد من المباني، وإنما مزيدا من التنظيم في علاقتها بالفراغات، ومزيدا من الاهتمام بالمناطق التي تحمل قيمة تاريخية، ومزيدا من المساحات التي يستطيع المواطن أن يستخدمها ويشعر بأنها جزء من مدينته، ومن هذه الزاوية، تأتي أهمية الجمع بين إحياء المعالم التاريخية وتحسين المناطق المحيطة بها وتحويل المساحات المخلاة إلى مسطحات خضراء، باعتبارها خطوات متكاملة تستهدف تحسين صورة العاصمة من الداخل.
الحفاظ على القاهرة التاريخية لا يعني تجميدها أو عزلها عن حركة التطور، وإنما يعني أن تتقدم المدينة وهي تعرف قيمة ما تركه السابقون، التنمية الحقيقية ليست في إزالة ملامح المكان واستبدالها بصورة جديدة، وإنما في تطويره بطريقة تحافظ على هويته وتجعله أكثر قدرة على أداء وظائفه في الحاضر، وهذا هو التحدي الذي يجعل توجيهات إحياء القاهرة التاريخية وتطوير محيطها وتحسين مساحاتها العامة خطوة مهمة في مسار بناء مدينة أكثر تنظيما وجودة.
القاهرة تستحق أن تظهر بالصورة التي تليق بتاريخها، وأن تكون معالمها الإسلامية والتاريخية جزءا حيا من حاضرها، وأن تتحول المساحات التي تم إخلاؤها إلى فرص جديدة للناس والبيئة والعمران وعندما يلتقي الحفاظ على التراث مع تحسين جودة الحياة، تصبح عملية التطوير أكثر ارتباطا باحتياجات المواطن وأكثر قدرة على ترك أثر مستدام في المدينة، القاهرة التي نحافظ على تاريخها اليوم هي نفسها القاهرة التي نهيئها لتكون أكثر جمالا وتنظيما للأجيال المقبلة.





