
لم تعد أزمة الصحافة اليوم في نقص المعلومات، فالمعلومة أصبحت متاحة للجميع، والكاميرا ومنصات النشر باتت في متناول الجميع، لكن الأزمة الحقيقية تكمن في غياب المهنية والأخلاق لدى بعض من تصدّروا المشهد. فالصحافة ليست مجرد نقل للأخبار، وإنما رسالة ومسؤولية تقوم على المصداقية والتحقق والموضوعية واحترام الناس.
ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح أي شخص قادرًا على الحديث في أي موضوع، وقد يتحول، بمجرد تحقيق المشاهدات، إلى إعلامي أو صانع محتوى. فأصبح الترند عند البعض أعلى وأهم من الحقيقة، والمكسب والشهرة أهم من المهنة.
والأخطر أن الأجيال الجديدة بدأت ترى الشهرة والمال وعدد المتابعين معيارًا للنجاح، بينما يتراجع العلم والخبرة والأخلاق. ومن هنا، لا يمكن تجاهل تأثير الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل وعي المجتمع وسلوكه، خاصة عندما تتحول الجرائم والوقائع الصادمة إلى مادة للترند، ويتم تقديمها بطريقة تثير الفضول بدلًا من أن تصنع الوعي.
فالإعلام لا يصنع الجريمة وحده، لكنه مسؤول عن طريقة تناولها: هل يحولها إلى رسالة تحذّر المجتمع، أم إلى محتوى هدفه حصد المشاهدات؟
ومن قليل من الإنصاف أن نقول إن الدولة تقوم بما عليها وتطبق القانون، كما أن فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي يتحدث دائمًا عن أهمية الوعي وإصلاح الخطاب الإعلامي والمجتمعي، وضرورة أن يقترب الإعلام من قضايا الناس الحقيقية. كما يعمل وزير الإعلام على تفعيل دور الإعلام، ويسعى نقيب الصحفيين إلى الحفاظ على مكانة المهنة وهيبتها. وفي المقابل، هناك مؤسسات صحفية تلتزم بالمهنية وتقدم نموذجًا محترمًا، ولذلك لا يصح أن نضع الجميع في سلة واحدة.
لكن القانون وحده لا يصنع الضمير، والمسؤولية لا تقع على الدولة فقط، وإنما تمتد إلى الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية والمجتمع. فكل من يمتلك تأثيرًا على الناس مسؤول عن الطريقة التي يستخدم بها هذا التأثير، لأن الإعلام لا ينقل الواقع فقط، بل يساهم أيضًا في تشكيل طريقة تفكير المجتمع ونظرته إلى القيم والسلوك.
ونحن أيضًا بحاجة إلى مراجعة أنفسنا، لأن الجمهور ليس متلقيًا فقط، بل شريك في صناعة ما يتصدر المشهد. فعندما نمنح المحتوى المثير والمسيء مشاهدات ومشاركات وتعليقات، فإننا نساعد على انتشاره ونمنح صاحبه ما يبحث عنه.
لذلك يجب أن نعيد تعريف النجاح. فعدد المتابعين ليس دليلًا على القيمة، والقدرة على صناعة الجدل ليست دليلًا على الموهبة، والشهرة لا تعني بالضرورة أن صاحبها يستحق أن يكون قدوة.
وفي النهاية، تظل الصحافة والإعلام مرآة المجتمع وأحد أهم المؤثرين في وعيه وأخلاقياته وطريقة تفكيره. واستعادة أخلاقيات المهنة ليست رفاهية، وإنما ضرورة لحماية المجتمع من تحول الإثارة إلى قيمة، والترند إلى هدف، والمشاهدات إلى مقياس للنجاح.
فالصحفي الحقيقي ليس من يملك أكبر عدد من المتابعين، وإنما من يملك ضميرًا مهنيًا يعرف قيمة الكلمة، ويدرك أن المشاهدات تنتهي، لكن أثر الكلمة قد يبقى.





