Saturday، 09 May 202611:57 PM
آراء حرة

د. رضا فرحات يكتب: جامعة سنجور.. شراكة استراتيجية تعيد تشكيل العلاقات المصرية الفرنسية

السبت، 09 مايو 2026 07:59 مساءً
د. رضا فرحات يكتب: جامعة سنجور.. شراكة استراتيجية تعيد تشكيل العلاقات المصرية الفرنسية
د. رضا فرحات
15

في زمن تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية وتتداخل فيه المصالح الدولية بشكل معقد، تأتي زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمصر، ولقاؤه مع الرئيس عبد الفتاح السيسي علي هامش افتتاح جامعة سنجور في مدينة برج العرب الجديدة، لتؤكد حقيقة راسخة: إن العلاقة بين القاهرة وباريس قد تجاوزت مرحلة “الصداقة التقليدية” لتدخل عصر “الشراكة الاستراتيجية الفاعلة”، وأنه بعد عام واحد فقط على ترفيع مستوى العلاقات في أبريل 2025، نجد أنفسنا أمام نموذج دبلوماسي ناضج لا يكتفي بالبيانات المشتركة، بل يغوص في عمق التحديات الإقليمية والاقتصادية بواقعية وحزم.

 

إن اختيار موقع اللقاء، على هامش افتتاح المقر الجديد لجامعة سنجور، لم يكن صدفة عابرة، بل رسالة ذكية تحمل دلالات عميقة. فالجامعة، بوصفها صرحا أكاديميا، تجسد البعد الثقافي والتعليمي الذي لطالما كان العمود الفقري للعلاقات المصرية الفرنسية، لكن الأهم من الرمزية هو الجوهر؛ إذ أكد الرئيس السيسي خلال المباحثات أن التعليم والبحث العلمي هما المحرك الحقيقي للتنمية، وأن تعزيز التعاون في هذا المجال يعني إعداد كوادر قادرة على قيادة المستقبل وهذا يتوافق تماما مع رؤية ماكرون التي أشادت بالدور المصري في بناء الكفاءات، مما يعكس إدراكا مشتركا بأن القوة الناعمة هي السلاح الأكثر استدامة في علاقات الدول.

 

تبدو الصورة على الصعيد الاقتصادي أكثر وضوحا وجدية و لم تعد الحديث عن الاستثمارات الفرنسية في مصر مجرد أرقام في تقارير وزارية، بل أصبحت جزءا من نسيج الاقتصاد الوطني في قطاعات حيوية مثل الصناعة والنقل والطاقة و تأكيد السيسي على ضرورة مواصلة العمل لتعزيز التعاون التجاري، وترحيب ماكرون بتعميق الشراكة الاقتصادية، يشير إلى رغبة حقيقية في خلق تكامل اقتصادي يخدم مصالح الشعبين، ويسهم في الوقت ذاته في دفع العلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبي ككل، في عالم يعاني من اضطرابات سلاسل الإمداد، تمثل مصر شريكا موثوقا ومستقرا لأوروبا، وهو ما تدركه باريس جيدا وتسعى لتوظيفه لصالح استقرارها الاقتصادي أيضاً.

 

إن التنسيق المصري الفرنسي يظهر كـ “صمام أمان” للمنطقة فمن غزة إلى لبنان، مرورا بالتوترات الإقليمية الأوسع، تتطابق الرؤى إلى حد كبير حول ضرورة تجنب التصعيد والحفاظ على سيادة الدول واستقرارها وموقف مصر الثابت الداعم للأمن العربي، ورفضها القاطع لأي مساس بالسيادات الوطنية، وجد صدى إيجابيا لدى الجانب الفرنسي الذي أعرب عن تقديره للجهود المصرية في احتواء الأزمات وفي القضية الفلسطينية تحديدا، يبدو أن باريس تدرك أكثر من أي وقت مضى أن الحل الوحيد المستدام هو حل الدولتين، وهو ما يتقاطع مع الموقف المصري الرافض للمساومات على الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.

 

إن ما يجعل هذه الشراكة متميزة اليوم هو أنها لا تنطلق من فراغ، بل من إدراك متبادل بأن استقرار الشرق الأوسط هو مصلحة أوروبية عليا، وأن تقدم مصر هو ضمانة لأمن المتوسط ةلقد أثبت اللقاء أن البلدين قادران على تحويل التحديات إلى فرص للتعاون، وعلى تحويل الإرث التاريخي إلى مشاريع مستقبلية ملموسة.

 

في الختام، يمكن القول إن زيارة ماكرون لمصر ليست مجرد حدث دبلوماسي روتيني، بل هي محطة فارقة ترسم ملامح عقد جديد من التعاون المصري الفرنسي، عقد يقوم على الاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة، والرؤية الواضحة لمستقبل يسوده السلام والازدهار، وإذا كانت جامعة سنجور ترمز للجسر الثقافي بين الضفتين، فإن الحوار بين السيسي وماكرون يبني الجسر السياسي والاقتصادي الذي تحتاجه المنطقة بشدة في هذه المرحلة الحرجة من تاريخها.