
لم تكن الرسالة التي وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى رئيس مجلس النواب مايك جونسون أن المواجهات العسكرية المباشرة مع إيران قد “انتهت”، مستندا إلى وقف إطلاق نار أمر به في 7 أبريل الماضي، وتم تمديده دون وقوع اشتباكات متبادلة مجرد بلاغ إداري روتيني، بل وثيقة سياسية وقانونية متعمدة الصياغة، تحمل في طياتها محاولة صريحة لإعادة تشكيل الواقع العسكري دون كسر القشرة الدستورية ظاهريا، لكن الفحص الدقيق لهذا النص يكشف عن هندسة دقيقة تهدف إلى تحييد قانون صلاحيات الحرب لعام 1973، وتجاوز عتبة الستين يوما التي تفقد الرئيس شرعيته العسكرية الأحادية ما لم يحصل على تفويض الكونغرس.
رسالة ترامب تعتمد على ثلاث حيل لغوية وقانونية متشابكة الأولى: فصل الاستمرارية العملياتية عن الواقع الميداني، عبر اختيار تاريخ محدد لإنهاء “مرحلة سابقة”، مع تجاهل أن البنية التحتية للقيادة، وسلاسل التسليح، وأهداف الضغط الاستراتيجي على طهران لم تتغير و الثانية: تحويل “وقف إطلاق نار تكتيكي” إلى “انتهاء حرب”، وهو قفزة دلالية لا تستند إلى اتفاق دبلوماسي أو نزع سلاح، بل إلى هدوء مؤقت قد يكون تمهيدا لجولة تصعيد قادمة أما الثالثة: والأخطر، فهو استخدام هذا الإعلان كذريعة إجرائية لإعادة ضبط عداد الستين يوما من الصفر، مما يمنح الإدارة التنفيذية تفويضا ذاتيا لشن عمليات جديدة دون رقابة تشريعية مسبقة.
ويعد هذا التفسير انتقاصا صريحا من روح القانون الذي صمم خصيصا لمنع الرؤساء من جر البلاد إلى صراعات مفتوحة تحت ذرائع زمنية مرنة فالقانون لم يشرع ليلتف عليه عبر تقسيم زمني مصطنع، بل ليجسد مبدأ الفصل بين السلطات الذي يعد حجر الزاوية في النظام الأمريكي و السوابق التاريخية والقضائية تظهر رفض الكونغرس دوما تجزئة العمليات المتصلة إلى “حروب مصغرة” لتفادي المساءلة، كما حذرت المحاكم من تآكل الصلاحيات التشريعية لصالح التنفيذية في قضايا استخدام القوة لكن ترامب يراهن هنا على انقسام المؤسسة التشريعية، وحسابات الدوائر الانتخابية، وخشية النواب من مواجهة مباشرة قد تستخدم ضدهم سياسيا، الرسالة، إذا، ليست موجهة لإيران بقدر ما هي موجهة للداخل الأمريكي: محاولة لتمرير سياسة خارجية عدائية عبر بوابة قانونية ضيقة، مع الحفاظ على غطاء “الشرعية الشكلية”.
استراتيجيا، يرسل هذا النهج إشارات مختلطة وحارقة، لطهران، يعني أن واشنطن لا تسعى لخفض التصعيد، بل لإدارة دورة حرب متقطعة تتحكم في وتيرتها وفق الحسابات الداخلية الأمريكية و للإقليم، يعني غياب الضمانات الأمنية، ودخول الدول الحليفة في دوامة من إعادة التقييم الاستراتيجي وتحالفات الطوارئ وللنظام الدولي، يعني أن الالتزامات الأمريكية أصبحت رهينة بتفسيرات رئاسية قابلة للتعديل اليومي، مما يهز ثقة الحلفاء ويشجع الخصوم على اختبار خطوط الصبر الأمريكية.
أخيرا، تكشف هذه الرسالة عن تحول خطير في ممارسة السلطة التنفيذية: من قرار الحرب كخيار استراتيجي خاضع للنقاش العام، إلى عملية إدارية قابلة لإعادة التعريف وفق الحاجة السياسية الآنية، وإذا سمح الكونغرس بهذا الالتفاف دون رد مؤسسي صارم، فإننا لن نكون أمام مجرد مناورة تكتيكية، بل أمام سابقة تؤسس لحقبة جديدة من “الحروب المؤقتة الدائمة”، حيث تتحول الرقابة البرلمانية إلى طقس شكلي، وتستبدل الشرعية الدستورية بشرعية السردية الإعلامية.
إن القوة الحقيقية لا تكمن في القدرة على إعادة ضبط العداد، بل في الشجاعة لمواجهة تبعات القرارات أمام التاريخ والشعب.




