الأحد، 26 يوليو 20265:25 مساءً
آراء حرة

د. فايزة خطاب .. تأميم قناة السويس.. القرار الذي أعاد تعريف السيادة المصرية ورسخ الإدارة الوطنية

الأحد، 26 يوليو 2026 04:17 مساءً
د. فايزة خطاب .. تأميم قناة السويس.. القرار الذي أعاد تعريف السيادة المصرية ورسخ الإدارة الوطنية
د. فايزة خطاب
15

في تاريخ الدول قرارات تتجاوز حدود الحدث لتصبح نقطة تحول في بناء الدولة وتعزيز مكانتها الدولية، وكان قرار تأميم قناة السويس في 26 يوليو 1956 أحد أبرز هذه القرارات. فلم يكن التأميم مجرد استرداد لمرفق اقتصادي، بل إعلانًا بأن السيادة الوطنية لا تكتمل إلا بسيطرة الدولة على مواردها الاستراتيجية، وقدرتها على إدارتها بعيدًا عن أي نفوذ أجنبي.

 

جاء القرار بعد دراسة دقيقة للواقع السياسي والاقتصادي، وفي إطار رؤية هدفت إلى إنهاء الامتيازات الأجنبية التي استمرت لعقود. كما استند إلى حق أصيل تقره قواعد القانون الدولي، وهو حق الدولة في السيادة على مواردها الوطنية، مع الالتزام بالتعويض العادل للمساهمين، وهو ما عزز الموقف القانوني المصري أمام المجتمع الدولي.

 

ولم يكن نجاح التأميم نتيجة جرأة القرار السياسي وحدها، بل ثمرة تخطيط استراتيجي محكم. فقد أُعدت خطة سرية لتسلم جميع منشآت الشركة وأصولها في توقيت واحد، مع تجهيز كوادر وطنية من المهندسين والمرشدين والإداريين لتولي المسؤولية فور إعلان القرار. وكان المهندس محمود يونس وفريقه نموذجًا للإدارة الوطنية الكفؤة، حيث نجحوا في استلام إدارة القناة وضمان استمرار العمل دون تعطيل.

 

ورغم انسحاب عدد من المرشدين والخبراء الأجانب، أثبتت الكفاءات المصرية قدرتها على إدارة أحد أهم الممرات الملاحية في العالم، واستمرت حركة الملاحة بصورة طبيعية، لتسقط عمليًا الادعاءات التي شككت في قدرة المصريين على تشغيل القناة. وقد برهنت هذه التجربة على أن بناء الإنسان والمؤسسات يمثلان الركيزة الأساسية لحماية الأمن القومي.

 

وعلى المستوى الدولي، خاضت مصر معركة سياسية وقانونية للحفاظ على حقها في إدارة القناة. فقد حاولت بريطانيا وفرنسا فرض تدويل القناة أو إنشاء إدارة دولية بحجة حماية الملاحة، لكن مصر تمسكت بأن حرية الملاحة الدولية لا تعني الانتقاص من سيادة الدولة المالكة للمجرى الملاحي، واستطاعت بدعم دولي متزايد إحباط تلك المحاولات.

 

وأكد العدوان الثلاثي أن الصراع الحقيقي لم يكن حول الملاحة، بل حول الإرادة الوطنية المصرية. وبعد فشل العدوان، رفضت مصر بصورة قاطعة إشراك الدول المعتدية في أعمال تطهير القناة أو إعادة تشغيلها، إدراكًا منها أن ذلك يمثل انتقاصًا من قرار التأميم. وأصرت الدولة المصرية على أن تتولى هيئة قناة السويس هذه المهمة بقيادة كوادرها الوطنية، لتفرض سيادتها الكاملة عمليًا، وتؤكد أن إدارة القناة حق مصري أصيل لا يقبل المساومة.

 

وبعد سبعين عامًا، ما زال قرار التأميم يمثل درسًا استراتيجيًا في كيفية الجمع بين الرؤية السياسية، والتخطيط الدقيق، وكفاءة الإدارة، والقدرة على التفاوض والدفاع عن الحقوق الوطنية. كما تؤكد تجربة التأميم أن حماية الأمن القومي لا تتحقق بالقوة العسكرية وحدها، وإنما أيضًا بامتلاك القرار الوطني، وإدارة الموارد الاستراتيجية بكفاءة، وبناء مؤسسات قادرة على مواجهة الضغوط والتحديات.

 

لقد كان تأميم قناة السويس أكثر من استرداد لمرفق اقتصادي؛ فقد أسس لعقيدة وطنية تؤمن بأن السيادة تُعد تزع بالإرادة، وتُحمى بالمؤسسات، وتُرسخ بالإدارة الكفؤة. ولهذا سيظل السادس والعشرون من يوليو علامة فارقة في التاريخ المصري الحديث، وشاهدًا على قدرة الدولة المصرية على تحويل القرار السياسي إلى إنجاز استراتيجي دائم.