
لم يعد المشهد في مالي قابلا للفهم من خلال الخرائط العسكرية التقليدية التي تقيس الصراع بمن يسيطر على المدن أو بمن يتقدم ميدانيا فما يتشكل هناك أكثر تعقيدا وأقرب إلى إعادة ترتيب هادئة لمعنى السلطة ذاتها الدولة لم تختف لكنها لم تعد تمارس الدور نفسه والجماعات المسلحة لم تعلن نفسها بديلا صريحا لكنها بدأت تتصرف كما لو أنها جزء من معادلة الحكم اليومية وفي قلب هذا التحول تقف جماعة نصرة الإسلام والمسلمين ليس فقط كفاعل مسلح بل كمنظومة قادرة على التغلغل داخل بنية الدولة واستغلال هشاشتها وتحويلها تدريجيا إلى كيان محدود الفاعلية.
الفكرة المحورية هنا ليست السيطرة بالمعنى الكلاسيكي بل الإخضاع الإخضاع لا يعني إسقاط الدولة أو استبدالها بل يعني إبقاءها قائمة مع تقليص قدرتها على الفعل بحيث تتحول من فاعل يحدد القواعد إلى فاعل يتحرك داخل قواعد لم يعد يضعها وحده هذا التحول لم يأت من فراغ بل يرتبط بطبيعة الدولة في مالي نفسها حيث لا تتوزع السلطة بشكل متوازن فالدولة قوية نسبيا في باماكو لكنها تضعف كلما اتسعت المسافة عنها ويصبح حضورها في الأطراف متقطعا وغير مستقر وهو ما يخلق مساحات واسعة يمكن العمل داخلها دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة كما أن هذه الهشاشة لا ترتبط فقط بالأمن بل تمتد إلى ضعف الخدمات وغياب العدالة الرسمية وتآكل الثقة بين الدولة والمجتمع وهو ما يفتح المجال أمام فاعلين غير رسميين لملء هذا الفراغ بشكل تدريجي.
داخل هذه المساحات تتحرك جماعة نصرة الإسلام والمسلمين ببنية تنظيمية مختلفة عن النماذج الهرمية الصلبة فهي ليست تنظيما مغلقا بقدر ما هي شبكة متعددة المستويات نشأت في الأساس من اندماج مكونات رئيسية شكلت عمودها الفقري مثل جماعة أنصار الدين وجبهة تحرير ماسينا وتنظيم المرابطون إضافة إلى وحدات من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي هذه المكونات لم تذب بالكامل داخل كيان واحد بل احتفظت بقدر من الخصوصية ما جعل التنظيم أقرب إلى تحالف شبكي تحت مرجعية واحدة مرتبطة بتنظيم القاعدة.
هذا التكوين المركب يمكن فهمه عبر مستويات متداخلة تبدأ بطبقة مرجعية عليا تحدد الإطار الأيديولوجي العام وتضبط الاتجاه الاستراتيجي دون إدارة التفاصيل اليومية ثم طبقة قيادية محلية تضم أمراء مناطق يمتلكون قدرة واسعة على اتخاذ القرار وفق خصوصية كل إقليم ثم طبقة عملياتية مرنة تتكون من خلايا صغيرة تتحرك بسرعة وتعتمد على المعرفة المحلية في التنفيذ دون حاجة دائمة إلى توجيه مركزي صارم وأخيرا طبقة اجتماعية أوسع تشمل شبكات قبلية ووسطاء محليين ودوائر دعم غير رسمية وهي الطبقة التي تمنح التنظيم عمقه الحقيقي وتسمح له بالاندماج داخل النسيج المجتمعي بدلا من الظهور كجسم غريب عنه
ولا يتوقف الأمر عند حدود هذه البنية الداخلية بل يمتد إلى شبكة أوسع من العلاقات تشمل جماعات محلية مسلحة وشبكات تهريب واقتصاد ظل وفاعلين رماديين يتحركون بين الدولة والجماعة دون إعلان انتماء واضح وفي هذا السياق يصبح من الصعب رسم حدود دقيقة للتنظيم لأن نفوذه لا يمارس فقط من خلال أفراده بل عبر شبكة علاقات متداخلة تتيح له التمدد دون الحاجة إلى السيطرة المباشرة
من خلال هذه البنية الشبكية يتحول مفهوم الإخضاع إلى ممارسة يومية لا تظهر دائما في شكل مواجهات عسكرية كبيرة بل في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها حاسمة نزاعات تحل خارج مؤسسات الدولة طرق تفتح عبر تفاهمات غير معلنة أسواق تعمل وفق قواعد مختلطة بين الرسمي وغير الرسمي ومع تراكم هذه التفاصيل يتغير إدراك السكان للسلطة فلا يعود السؤال من يحكم رسميا بل من يوفر النظام الفعلي الذي يمكن الاعتماد عليه وهنا يتحقق جوهر الإخضاع حيث تبقى الدولة قائمة لكنها تفقد تدريجيا احتكارها للقرار
في هذا السياق تبدو باماكو وكأنها مركز قائم داخل محيط يتغير بسرعة العاصمة ما زالت تحت سيطرة الحكومة لكن قدرتها على التأثير خارجها تتآكل تدريجيا خطوط الإمداد تصبح أكثر هشاشة والمجال الحيوي يتقلص ومع الوقت لا تحتاج الجماعة إلى دخول العاصمة لأن الهدف ليس السيطرة عليها بل عزلها وتحويلها إلى مركز محدود التأثير داخل دولة تتآكل أطرافها
ويكتسب هذا النموذج قوة إضافية من قدرته على تقليل التكلفة وتجنب الاستفزاز الدولي فهو لا يفرض على التنظيم عبء إدارة دولة كاملة ولا يدفعه إلى مواجهة مباشرة واسعة مع القوى الدولية وفي الوقت نفسه يمنحه قدرة على التأثير في مسار الدولة دون أن يتحمل مسؤولية نتائج هذا التأثير وهو ما يجعله أكثر استدامة مقارنة بنماذج السيطرة التقليدية
ومع ذلك فإن هذا النموذج ليس بلا حدود فهو يعتمد بدرجة كبيرة على هشاشة الدولة فإذا تمكنت الدولة من إعادة بناء قدراتها الأمنية والخدمية فإن هذا النفوذ قد يتراجع كما أن الطبيعة الشبكية للتنظيم رغم ما تمنحه من مرونة تحمل في داخلها احتمالات التفكك لأن التحالفات التي يقوم عليها ليست ثابتة وقد تتغير بتغير المصالح أو الضغوط
في النهاية لا تعيد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تشكيل الدولة عبر إسقاطها بل عبر التغلغل في فراغاتها وإعادة توزيع وظائفها وفرض قواعد غير مكتوبة للحكم وبين مركز لا يزال قائما وهامش يتسع تدريجيا تتشكل في مالي معادلة جديدة دولة موجودة لكنها لم تعد وحدها من يحدد كيف تحكم





