Wednesday، 04 March 202609:38 AM
الرئيسية

ليبيا تحت نيران الانقسام.. تفكك التحالفات الميليشياوية يفتح أبواب الفوضى والشارع الليبي يدفع الثمن

الخميس، 15 مايو 2025 03:02 مساءً
ليبيا تحت نيران الانقسام.. تفكك التحالفات الميليشياوية يفتح أبواب الفوضى والشارع الليبي يدفع الثمن
الفرقاء الليبيين
15

لم يكن ما سُمّي بعودة النظام إلى ليبيا سوى وهم سياسي سقط سريعًا أمام أول اختبار أمني حقيقي، ففي 12 مايو الجاري، انفجرت العاصمة طرابلس على وقع أنباء اغتيال عبدالغني الككلي، الشهير بـ”غنيوة”، قائد جهاز دعم الاستقرار، وأحد أكثر قادة الميليشيات نفوذًا في غرب البلاد.

اغتيال غنيوة لم يكن مجرد عملية تصفية لزعيم ميليشياوي، بل زلزال سياسي ـ أمني أعاد ليبيا إلى أجواء الانفجار الشامل، وفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيدًا في مشهد لم يعرف منذ سنوات سوى حالة “اللاحرب واللاسلم”.

من منوشات إلى مواجهات مفتوحة.. صراع بين أمراء السلطة

الاشتباكات التي أعقبت اغتيال الككلي تحوّلت سريعًا من مناوشات محدودة إلى مواجهات واسعة النطاق، خصوصًا بين ميليشيات موالية لغنيوة وأخرى تابعة لـاللواء 444 قتال المتمركز في مصراتة.
أحياء أبوسليم تحوّلت إلى ساحات حرب، وترددت أصداء الأسلحة الثقيلة مجددًا في قلب العاصمة، ما دفع الأمم المتحدة إلى التحذير من تفاقم الوضع الإنساني وعودة سيناريو الاقتتال الدموي الذي عصف بالبلاد منذ عقد.

نظام “الولاءات المقنّعة”.. الدولة التي لم تُبْنَ

المحلل السياسي توم كول، في تقرير نشره موقع أويل برايس الأميركي، اعتبر أن ما يحدث في طرابلس ليس انفجارًا عابرًا، بل نتيجة حتمية لنظام سياسي غير معلن، نشأ بعد اتفاق الصخيرات عام 2015، قائم على توزيع الغنائم والسلطة بين الميليشيات تحت غطاء مؤسسات الدولة.

حكومات ما بعد الثورة، وعلى رأسها حكومة عبدالحميد الدبيبة، لم تبنِ مؤسسات فعلية، بل اعتمدت على شرعنة أمراء الحرب، ومنحتهم تمويلاً رسميًا في مقابل الولاء، في إطار ما يصفه كول بـ”منظومة الفساد المتبادل”.

اغتيال غنيوة.. فراغ في قلب الشبكة

جاء مقتل غنيوة ليُحدث فراغًا خطيرًا داخل هذا النظام غير الرسمي، ويفتح المجال أمام تفكك التوازنات الميليشياوية التي حافظت على هدنة غير معلنة في الغرب الليبي.

وقد يفتح هذا الانهيار الباب أمام طموحات المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي في الشرق، الذي لم يُخفِ يومًا رغبته في بسط نفوذه على طرابلس. الفوضى الحالية قد تمنحه فرصة مواتية لبناء تحالفات جديدة أو الدفع نحو تدخل غير مباشر في العاصمة.

هجوم على شركة الاتصالات.. احتكار الدولة أم تصفية حسابات؟

وسط ضجيج الاشتباكات، مرّ حدثٌ بالغ الأهمية دون كثير من الانتباه، وهو إصدار النيابة العامة الليبية أوامر باعتقال عدد من قيادات شركة المدار للاتصالات، كبرى شركات الاتصال في ليبيا.

الخطوة قُدّمت إعلاميًا على أنها جزء من حملة لمحاربة الفساد، لكن توقيتها وخصوصيتها يشيران إلى أنها تحرك سياسي بامتياز. فهي تأتي في إطار سعي حكومة الدبيبة لإحكام السيطرة على مفاصل الدولة الحساسة، وخاصة الاتصالات، التي يمكن أن تُستخدم كأداة ضغط ضد معسكر الشرق.

النفط.. الثروة المهددة في قلب الفوضى

لم يسلم قطاع النفط الليبي من تداعيات الانقسام والصراع. رغم الخطط المعلنة لرفع الإنتاج إلى 1.3 مليون برميل يوميًا، فإن غياب الدولة المركزية، ووقوع منشآت النفط تحت سيطرة ميليشيات متناحرة، يضع الشركات العالمية أمام واقع محفوف بالمخاطر.

لا أحد في ليبيا اليوم يملك القدرة على تأمين بيئة تشغيل مستقرة، أو ضمان توزيع عادل للعائدات، ما يجعل أي استثمار نفطي مقامرة غير محسوبة.

الوجود الروسي.. أكثر من نفط وأسلحة

من جهة أخرى، يزداد الدور الروسي تعقيدًا وعمقًا. فبعد إعادة تنظيم انتشار قوات فاغنر، تسعى موسكو لتكريس نفوذها شرق البلاد، بالتنسيق مع حفتر، لأسباب استراتيجية تتجاوز النفط، تتعلق أساسًا بالتمركز على الضفة الجنوبية للمتوسط.

روسيا لا تكتفي بتأمين مصالحها، بل تعمل على فرض وقائع جديدة قد تهدد الأمن الأوروبي، ما يجعل من ليبيا ساحة مواجهة دولية مرشحة للاشتعال، إلى جانب أوكرانيا والساحل الأفريقي.

الغياب الأميركي.. فراغ خطير تملؤه القوى الأخرى

في مقابل هذا الحراك الروسي، يبدو الغياب الأميركي أكثر وضوحًا. الولايات المتحدة، المنشغلة بملفات ثقيلة من أوكرانيا إلى غزة، لا تملك اليوم سياسة فعالة تجاه ليبيا، بل تكتفي بمحاولات متفرقة ترتبط بقضايا هامشية، مثل الهجرة غير الشرعية، دون أي رؤية شاملة لمستقبل البلاد.

هذا الفراغ الجيوسياسي يمنح قوى أخرى، إقليمية ودولية، مساحة واسعة للتدخل وفقًا لمصالحها، ما يفاقم تعقيدات المشهد.

ليبيا.. مشروع دولة لم يكتمل

الواقع أن ليبيا ليست دولة تنهار، بل مشروع دولة لم يُنجز بعد، ومجتمع يتآكل تحت وطأة الصراعات القبلية والميليشياوية، وشبكات المصالح المتداخلة.

كل مؤسسة تُفهم اليوم في ليبيا ليس بوظيفتها، بل باعتبارها أداة للصراع أو رافعة للسلطة. وما يُسمّى “الاستقرار النسبي” لم يكن سوى هدنة هشة، تستند إلى توازنات غير معلنة بين أمراء الحرب.

ومع سقوط بعض ركائز هذه التوازنات، وعلى رأسهم الككلي، تدخل البلاد مرحلة جديدة من إعادة الاصطفاف، لا يبدو أن أحدًا قادر على حسمها دون المرور بدورة جديدة من العنف.