
في تحدٍّ صارخ لطموحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أعلنت الدنمارك، يوم الأربعاء، رفضها القاطع لفكرة ضم جزيرة غرينلاند إلى الولايات المتحدة، وذلك ردًا على تصريحات ترامب الأخيرة التي جدّد فيها عزمه على الاستحواذ على الجزيرة الاستراتيجية. جاء ذلك في خطاب ألقاه أمام الكونغرس، حيث شدّد على أهمية غرينلاند للأمن القومي الأميركي والعالمي، وأكد أنه يسعى للحصول عليها “بطريقة أو بأخرى”.
غرينلاند.. الجزيرة التي أشعلت التوتر
غرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، تتمتع بالحكم الذاتي لكنها تابعة إداريًا للدنمارك منذ أكثر من ستة قرون. رغم بعدها الجغرافي، تُعتبر الجزيرة ذات أهمية جيوسياسية بالغة، إذ تحتضن قاعدة جوية أميركية ضخمة في منطقة “ثول”، كما تُعدّ غنية بالموارد الطبيعية، بما في ذلك المعادن النادرة والنفط المحتمل. وبحسب وزير الدفاع الدنماركي، ترويلز لوند بولسن، فإن مستقبل غرينلاند “لن تحدده الولايات المتحدة، بل سكان الجزيرة أنفسهم”.
وأضاف بولسن، في تصريحات لشبكة “دي آر” الدنماركية، أن حكومته تحترم حق الغرينلانديين في تقرير مصيرهم، مؤكّدًا أن موقف بلاده ثابت ولن يتغير أمام ضغوط ترامب أو أي إدارة أميركية مستقبلية.
لماذا يصرّ ترامب على ضم غرينلاند؟
منذ تولّيه الرئاسة، أبدى ترامب اهتمامًا غير مسبوق بغرينلاند، محاولًا إعادة إحياء فكرة شراء الجزيرة التي طرحتها الولايات المتحدة لأول مرة عام 1867، ثم تجددت عام 1946 حين عرض الرئيس الأميركي هاري ترومان 100 مليون دولار لشرائها، وهو ما قوبل برفض دنماركي قاطع.
لكن لماذا يصر ترامب على هذه الصفقة؟ وفقًا لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، فإن ترامب يرى في غرينلاند فرصة اقتصادية واستراتيجية هائلة، إذ يمكن للولايات المتحدة استغلال ثرواتها الطبيعية، وتعزيز وجودها العسكري في القطب الشمالي لمنافسة روسيا والصين اللتين توسّعتا في هذه المنطقة.
وقال روبيو في مقابلة إذاعية: “الرئيس يريد شراء غرينلاند ودفع ثمنها، لأنها ستكون استثمارًا طويل الأمد لأميركا”. إلا أن تصريحات ترامب لم تتوقف عند مجرد الشراء، بل لوّح بأنه سيحصل عليها “بطريقة أو بأخرى”، وهو ما أثار تساؤلات حول ما إذا كان يفكر في خيارات تتجاوز المفاوضات الدبلوماسية.
الدنمارك تردّ.. وغرينلاند ليست للبيع
من جهتها، لم تكتفِ الدنمارك برفض تصريحات ترامب، بل أعلنت عن خطط لتعزيز وجودها في غرينلاند، حيث خصصت حكومة كوبنهاغن أكثر من 1.3 مليار يورو لتعزيز الدفاعات العسكرية والبنية التحتية في الجزيرة.
رئيس الوزراء الدنماركي أكد أن “غرينلاند ليست للبيع، ولن تكون يومًا كذلك”، مشيرًا إلى أن الغرينلانديين يتمتعون بهوية مستقلة، وأن علاقتهم مع الدنمارك تقوم على الشراكة وليس الإملاء. كما شدّد وزير الخارجية الدنماركي، لارس لوكه راسموسن، على أن بلاده لن تسمح بأي تدخل خارجي في الانتخابات البرلمانية المقبلة في غرينلاند، والتي ستحدد المسار المستقبلي للإقليم.
هل يمكن أن يستولي ترامب على غرينلاند بالقوة؟
التصريحات المتحدّية من الدنمارك أثارت تساؤلات حول ردّ فعل ترامب، وهل يمكن أن يلجأ إلى وسائل غير تقليدية لتحقيق هدفه؟ فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة حليف وثيق للدنمارك وعضو في الناتو، إلا أن علاقاتهما قد تتوتر إذا حاولت واشنطن الضغط اقتصاديًا أو عسكريًا لفرض سيطرتها على غرينلاند.
بحسب تقارير إعلامية، فإن بعض الدول الأوروبية، مثل ألمانيا، بدأت مناقشات غير رسمية حول إمكانية نشر قوات في غرينلاند إذا تصاعد التوتر مع الولايات المتحدة، في خطوة قد تشكّل اختبارًا حقيقيًا لحلف الناتو نفسه.
وفي حين أن الخيار العسكري يبدو مستبعدًا في الوقت الحالي، إلا أن تصريحات ترامب المتكررة تشير إلى أنه لن يتخلى بسهولة عن فكرته. فهل سيحاول مجددًا عبر ضغوط دبلوماسية واقتصادية، أم أن غرينلاند ستظل مستعصية على أحلامه؟ في المشمش، كما يقول المثل العربي!





