
يعد ملف الإيجار القديم من أكثر القضايا تعقيدًا في المشهد التشريعي المصري، إذ تتشابك فيه الأبعاد القانونية والاقتصادية والاجتماعية، مما يجعله محط جدل دائم بين الملاك والمستأجرين.
فبينما يرى الملاك أنهم تعرضوا لظلم تاريخي بحرمانهم من الاستفادة الكاملة من ممتلكاتهم، يتمسك المستأجرون بحقوقهم المكتسبة على مدار عقود، خوفًا من أن يصبحوا بلا مأوى بسبب ارتفاع أسعار الإيجارات في السوق الحر.
ومع الحكم الأخير الصادر عن المحكمة الدستورية العليا، الذي ألزم الدولة بوضع إطار تشريعي يعيد التوازن لهذه العلاقة، بدأت الحكومة في دراسة سيناريوهات عدة لتعديل القانون، وسط مطالبات متضاربة من الطرفين.
فكيف ستتم معالجة هذه القضية الحساسة؟ وما هي الخطوات القادمة لضمان العدالة لكل الأطراف؟
الحكم الدستوري وتأثيره على الإيجار القديم
في تطور مفصلي، أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكمًا بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادتين (1 و2) من قانون 136 لسنة 1981، التي أبقت على تثبيت الأجرة السنوية للوحدات السكنية.
اعتبر الحكم أن هذا الوضع لم يعد يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية، مما دفع الحكومة للبحث عن آليات تنفيذية تضمن التوازن بين الملاك والمستأجرين.
وقد أمهلت المحكمة مجلس النواب فترة زمنية محددة لإنهاء هذه الإشكالية، مما وضع اللجنة المختصة أمام مسؤولية صياغة قانون جديد يراعي الحقوق المتبادلة.
تصريحات رئيس الوزراء حول مستقبل القانون
ومؤخرًا أكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، أن الحكومة تعمل حاليًا على وضع خطة تنفيذية بالتنسيق مع مجلس أمناء الحوار الوطني ولجان متخصصة، لضمان إجراء حوار مجتمعي موسع يفضي إلى حلول مرضية لكل الأطراف.
وأوضح “مدبولي” أن التعديلات المرتقبة ستأخذ في الاعتبار الفئات غير القادرة على تحمل الزيادات المفاجئة، مع مراعاة تحقيق العدالة لأصحاب العقارات.
رؤية البرلمان والتحديات التشريعية
من جانبه، كشف الدكتور محمد عطية الفيومي، رئيس لجنة الإسكان بمجلس النواب، أن البرلمان لم يبدأ بعد مناقشات التعديلات بسبب طلب الحكومة مهلة لإعداد مشروع قانون متكامل.
وأكد أن اللجنة عقدت اجتماعات مع الطرفين للاستماع إلى وجهات النظر المختلفة، بهدف الوصول إلى تشريع يحقق “توافقًا مجتمعيًا حقيقيًا”.
موقف الملاك.. حق ضائع منذ عقود
ويرى الملاك أن القانون الحالي جائر، إذ يحرمهم من الاستفادة العادلة من ممتلكاتهم، خاصة مع بقاء أسعار الإيجارات على حالها لعقود رغم التضخم المتزايد.
وطالب أحمد جاد، المستشار القانوني لاتحاد ملاك الإيجار القديم، في تصريح خاص لـ “سياسة بوست” بوضع جدول زمني لإنهاء العقود القديمة، وفتح الوحدات السكنية المغلقة، وتعويض الملاك عن السنوات الماضية، معتبرًا أن الحكم الأخير هو “كاشف للأزمة وليس منشئًا لها”.
وجهة نظر المستأجرين.. حماية الحق في السكن
على الجانب الآخر، أكد شريف عبد السلام، المستشار القانوني لاتحاد مستأجري مصر، في تصريح خاص لـ “سياسة بوست” أن مطالب المستأجرين تتلخص في الالتزام بامتداد العقد لمرة واحدة، كما نص القانون، وضبط أي زيادات محتملة بحيث تكون تدريجية وعادلة.
وأوضح “عبدالسلام” أن بعض الملاك الجدد يحاولون استغلال الوضع لإخلاء المستأجرين القدامى رغم استفادة الملاك الأصليين من إعفاءات ودعم حكومي عند بناء العقارات في الماضي.
مستقبل الإيجار القديم.. حلول مقترحة
مع تصاعد النقاش حول مستقبل الإيجار القديم، أعلن عبدالفتاح عادل أبوزيد خبير تنمية محلية في تصريح خاص لـ”سياسة بوست”، عن عدة سيناريوهات محتملة لحل الأزمة، أبرزها:
زيادة تدريجية للإيجارات وفقًا لمعايير محددة تراعي موقع العقار وحالته.
إلغاء الامتداد التلقائي للعقود مع منح الورثة فرصة انتقالية لتوفيق أوضاعهم.
إطلاق مبادرات إسكانية لمساعدة المستأجرين غير القادرين على الانتقال إلى وحدات جديدة بأسعار مخفضة.
تعويض الملاك المتضررين عبر برامج دعم حكومي أو إعفاءات ضريبية.
بين التوازن والعدالة
يبقى قانون الإيجار القديم أحد الملفات الشائكة التي تتطلب حلولًا متأنية تضمن العدالة لكل الأطراف، وبينما تستعد الحكومة والبرلمان لاتخاذ قرارات مصيرية، يبقى التحدي الأكبر في تحقيق التوازن بين حق الملكية وحق السكن، بما يضمن استقرار المجتمع ويعزز العدالة الاجتماعية.
فهل نشهد قريبًا قانونًا جديدًا يضع حدًا لهذه الأزمة التي امتدت لعقود؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة.





