الجمعة، 6 نوفمبر 202612:37 صباحاً
آراء حرة

أيه خالد تكتب: لانا نسيبة .. وتعزيز الحضور الدبلوماسي العربي على الصعيد الدولي

الجمعة، 06 نوفمبر 2026 12:36 صباحًا
أيه خالد تكتب: لانا نسيبة .. وتعزيز الحضور الدبلوماسي العربي على الصعيد الدولي
أيه خالد – باحثة في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية
15

صادف الحادي والثلاثون من أكتوبر 2026 الذكرى السادسة والعشرين لاعتماد مجلس الأمن الدولي القرار 1325 بشأن المرأة والسلام والأمن، الذي شكّل محطةً مفصلية في الاعتراف بدور المرأة في منع النزاعات وتسويتها والمشاركة في بناء السلام. وتزامن هذا العام مع تطور دبلوماسي لافت تمثّل في ترشيح دولة الإمارات العربية المتحدة للدبلوماسية لانا زكي نسيبة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة في 21 أكتوبر. هذا الترشيح يمثل منعطفاً مهماً في مسار الحضور الإماراتي والعربي داخل المؤسسات الدولية، ويعكس طموحاً يتجاوز المشاركة الدبلوماسية التقليدية نحو الإسهام في قيادة منظومة العمل متعدد الأطراف. كما يبرز الدعم المصري لهذا الترشيح أهمية التنسيق العربي في الملفات الدولية، خاصة حين تتجاوز أبعاد هذه المناصب حدود الدول المرشحة لتشمل مستقبل المنطقة وموقعها في النظام الدولي. ويكتسب هذا الترشيح أهمية مضاعفة، إذ يفتح نقاشاً حول فرص وصول شخصية عربية لقيادة المنظمة الدولية، لا سيما في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه الأمم المتحدة فيما يخص فاعلية مؤسساتها وقدرتها على التعامل مع الأزمات العالمية.

تستند نسيبة في ترشحها إلى مسيرة مهنية امتدت لأكثر من عقدين في العمل الحكومي والدبلوماسي، تميزت بحضور فاعل ومؤثر في الأمم المتحدة؛ حيث شغلت منصب المندوبة الدائمة لدولة الإمارات لدى المنظمة الدولية بين عامي 2013 و2024 كأول امرأة تتولى هذا المنصب. وخلال هذه الفترة، انخرطت في ملفات السلم والأمن الدوليين، والعمل الإنساني، والتنمية المستدامة، وإصلاح المؤسسات متعددة الأطراف، كما شغلت منصب نائبة رئيس الجمعية العامة، ورئاسة المجلس التنفيذي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة عام 2017. وعلاوة على ذلك، قادت الوفد الإماراتي خلال عضوية الدولة غير الدائمة في مجلس الأمن (2022-2023)، وترأست المجلس مرتين، وكان لها دور محوري في عدد من القرارات الهامة، أبرزها القرار 2720 المتعلق بتعزيز آليات إيصال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة. وتتولى نسيبة حالياً منصب وزيرة دولة بوزارة الخارجية الإماراتية، ولكنها قد أعلنت أخذ اجازة من مهامها الوزارية للتفرغ لترشيحها. تمنحها هذه التجربة معرفة مباشرة بآليات عمل الأمم المتحدة وطبيعة التفاوض داخل مجلس الأمن والعلاقة بين الدول الأعضاء والأمانة العامة وهي عناصر أساسية لفهم المسؤوليات السياسية والمؤسسية التي يتطلبها منصب الأمين العام.

تطرح نسيبة في وثيقة رؤيتها لقيادة المنظمة تصوراً يركز على استعادة فاعلية الأمم المتحدة وتعزيز قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة، بدلاً من الاكتفاء بإصدار البيانات وإعلان الالتزامات. وتضع الدبلوماسية الوقائية في مقدمة أولوياتها من خلال التحرك المبكر لاحتواء الخلافات قبل تحولها إلى نزاعات، والعمل على بناء تفاهمات عملية حتى في الحالات التي يصعب فيها التوصل إلى تسويات سياسية شاملة. ومن أبرز أفكارها مفهوم «الاتفاقات الأولية» (First Agreements)، الذي يقوم على البدء بخطوات قابلة للتنفيذ كـتأمين الممرات الإنسانية، وتبادل الأسرى، والتوصل إلى هدن محلية، للبناء عليها لاحقاً والوصول إلى اتفاقات أوسع وأكثر استدامة. كما تشمل رؤيتها إصلاح أداء المؤسسات الأممية، وتقليل الازدواجية في عملها، ورفع كفاءة الإنفاق، وتعزيز المساءلة، إلى جانب الاهتمام بتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ودعم فرص عمل الشباب، وتحقيق التنمية المستدامة.وتنطلق نسيبة من أن قوة الأمين العام لا تكمن في امتلاك سلطة تنفيذية على الدول، بل في استقلالية المنصب والقدرة على بناء الثقة وتقريب وجهات النظر. وبهذا فهي تؤكد أن معيار تقييم أدائها سيكون النتائج والأثر الفعلي لا حجم الوعود المعلنة

لا يأتي ترشيح نسيبة بمعزل عن تطور الدور الإماراتي في المؤسسات الدولية فحسب، بل يمثل امتداداً لحضور دبلوماسي اتسع نطاقه خلال السنوات الماضية، سواء عبر عضوية مجلس الأمن، أو المشاركة الفاعلة في ملفات العمل الإنساني، والتنمية المستدامة، والتغير المناخي، وإصلاح منظومة الأمم المتحدة. فخلال عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن للفترة 2022-2023، عملت الإمارات على ملفات حيوية، منها تعزيز وصول المساعدات الإنسانية، وحماية حقوق النساء والفتيات في أفغانستان. كما برز اهتمام الدولة بأجندة “المرأة والسلام والأمن”؛ إذ أطلقت الشيخة فاطمة بنت مبارك في مارس 2021 أول خطة عمل وطنية لتنفيذ القرار 1325 على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي للفترة 2021-2024، ما يعكس توجهاً إماراتياً راسخاً نحو إدماج قضايا المرأة في سياسات السلام والأمن، وتعزيز مشاركتها في عمليات صنع القرار وبنائه. وتجسد هذه المبادرات توجهاً أوسع يهدف إلى تعزيز مساهمة الإمارات في صياغة الملفات الدولية، والانتقال من مجرد المشاركة في النقاشات متعددة الأطراف إلى الإسهام الفعلي في وضع المبادرات والسياسات الدولية. ومن هذا المنطلق، يأتي ترشيح نسيبة امتداداً لمسار دبلوماسي ومؤسسي تسعى من خلاله الدولة إلى ترسيخ حضورها في قيادة العمل الدولي.

حظي الترشيح الإماراتي بدعم مصري عبّر عنه وزير الخارجية بدر عبد العاطي في اتصال هاتفي مع الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، في 26 أكتوبر 2024؛ إذ أشاد عبد العاطي بخبرات لانا نسيبة وقدراتها في الدبلوماسية متعددة الأطراف، معرباً عن تقدير مصر لترشيحها، بوصفها أول امرأة عربية يُطرح اسمها لهذا المنصب. ويكتسب هذا الدعم أهمية خاصة بالنظر إلى تاريخ الحضور العربي في قيادة الأمم المتحدة؛ حيث كان الدبلوماسي المصري بطرس بطرس غالي العربي الوحيد الذي تولى منصب الأمين العام (1992-1996). ومن ثم، فإن وصول نسيبة إلى المنصب، حال تحققه، لن يمثل سابقة تاريخية لكونها أول امرأة عربية فحسب، بل سيعني أيضاً عودة الحضور العربي إلى قمة الهرم الأممي عبر الدبلوماسية الإماراتية. وبصرف النظر عن نتيجة المنافسة، يعيد هذا الترشيح طرح سؤال جوهري حول قدرة الدبلوماسية العربية على الانتقال من التأثير في القضايا الدولية إلى المشاركة في قيادة المؤسسات الأممية، وحول الدور الذي يمكن أن تؤديه الخبرات العربية في تطوير أداء الأمم المتحدة وتعزيز قدرتها على مواجهة تحديات المرحلة المقبلة.