الأحد، 27 سبتمبر 202610:35 مساءً
آراء حرة

نسمة الشاطر تكتب: عندما يخطئ الذكاء الاصطناعي.. من يتحمل المسؤولية؟

الأحد، 27 سبتمبر 2026 07:36 مساءً
نسمة الشاطر تكتب: عندما يخطئ الذكاء الاصطناعي.. من يتحمل المسؤولية؟
نسمة الشاطر
15

لم تعد السيارات التي تقود نفسها مشهدًا من أفلام الخيال العلمي، بل أصبحت واقعًا نعيشه اليوم. ومع هذا التطور، ظهرت تساؤلات لم تكن مطروحة من قبل، أهمها: ماذا لو أخطأت السيارة وتسببت في حادث؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما يكون للتكنولوجيا دور في وقوع الضرر؟

ولعل قضية شركة «تسلا» الأمريكية تقدم مثالًا واقعيًا على هذه الإشكالية، وتكشف كيف يمكن للتطور التكنولوجي أن يضعنا أمام أسئلة جديدة تتعلق بالمسؤولية وحماية حقوق الأفراد.

قصة تسلا.. عندما تتحول التكنولوجيا إلى موضع تساؤل

في عام 2018، لقي المهندس الأمريكي والتر هوانغ مصرعه إثر اصطدام سيارته «تسلا» بالحاجز الخرساني الفاصل على أحد الطرق السريعة بولاية كاليفورنيا، أثناء تشغيل نظام القيادة المساعدة المعروف باسم «Autopilot».

ولم يتوقف الأمر عند الحادث، بل امتد إلى نزاع قضائي بين أسرة الضحية والشركة، حيث اتهمت الأسرة الشركة بوجود عيوب في النظام وعدم كفاية التحذيرات المتعلقة بقدراته. وفي المقابل، أكدت الشركة أن السائق يظل مسؤولًا عن مراقبة الطريق، وأن النظام لا يغني عن انتباهه.

وانتهت القضية بتسوية بين الطرفين في أبريل 2024، دون الإعلان عن قيمتها، ودون صدور حكم قضائي نهائي يفصل في المسؤولية. ومع ذلك، أعادت الواقعة فتح النقاش حول حدود مسؤولية الشركات عن التقنيات التي تطورها، ومدى مسؤولية المستخدم عن الاعتماد عليها.

فإذا كان السائق هو من يجلس خلف عجلة القيادة، فهل يعني ذلك أنه المسؤول وحده عن كل ما يحدث؟ أم أن الشركة التي طورت النظام تتحمل بدورها مسؤولية إذا ثبت أن خللًا في تصميمه أسهم في وقوع الحادث؟

عندما تتداخل مسؤولية الإنسان مع التكنولوجيا

في الماضي، كان تحديد المسؤول عن حوادث السيارات يرتبط في الغالب بسلوك السائق ومدى التزامه بقواعد المرور. أما اليوم، ومع دخول أنظمة الذكاء الاصطناعي في عملية القيادة، فقد أصبح الأمر أكثر تعقيدًا؛ إذ يمكن أن تتداخل مسؤولية السائق مع مسؤولية الشركة المصنعة أو مطور البرمجيات، بحسب ظروف كل حادث وطبيعة الخلل الذي أدى إلى وقوعه.

ولا تتوقف المشكلة عند تحديد المسؤول عن الحادث، بل تمتد إلى صعوبة إثبات الخطأ نفسه؛ فبعض أنظمة الذكاء الاصطناعي تعتمد على خوارزميات معقدة، وقد يكون من الصعب على المستخدم العادي فهم كيفية اتخاذها للقرارات أو تحديد السبب الدقيق وراء إخفاقها.

ومن هنا، لا يصبح السؤال مجرد تحديد الطرف الذي تسبب في الضرر، بل يمتد إلى كيفية إثبات مسؤوليته، وضمان حصول المتضرر على التعويض المستحق.

القانون المصري.. هل تكفي القواعد الحالية؟

قد يبدو أن مشكلة المسؤولية عن أخطاء الذكاء الاصطناعي تخص الدول التي سبقت في استخدام هذه التكنولوجيا، لكنها في الحقيقة مسألة تهم مصر أيضًا، خاصة مع التوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي ودخولها تدريجيًا في مختلف جوانب الحياة.

وفي القانون المصري، توجد بالفعل قواعد يمكن الاستناد إليها للمطالبة بالتعويض عن الأضرار. فالمادة 163 من القانون المدني تقرر أن كل خطأ سبب ضررًا للغير يُلزم من ارتكبه بالتعويض. كما تتناول المادة 178 مسؤولية حارس الأشياء التي تتطلب عناية خاصة، ومنها الآلات الميكانيكية، عن الأضرار التي تحدثها، وفقًا للشروط التي حددها القانون.

وبلغة بسيطة، إذا تسبب نظام ذكي في إلحاق الضرر بشخص ما، فقد يكون من الممكن الاستناد إلى هذه القواعد للمطالبة بالتعويض. لكن تحديد المسؤول ليس دائمًا أمرًا سهلًا؛ فقد يكون الخطأ ناتجًا عن إهمال المستخدم، أو عيب في النظام، أو تداخل عدة عوامل. ولذلك، يتوقف تحديد المسؤولية على ظروف كل حالة والأدلة المتاحة.

وتزداد المسألة تعقيدًا عندما تكون الشركة المطورة في دولة، والمستخدم في دولة أخرى، بينما يقع الضرر في دولة ثالثة. وهنا تظهر أهمية القانون الدولي الخاص في تحديد القانون الواجب التطبيق، بما يساعد على معرفة القواعد التي تحكم المسؤولية وحق المتضرر في التعويض.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن القواعد القانونية الحالية غير كافية، وإنما يطرح تساؤلًا حول مدى قدرتها على مواكبة صور الضرر الجديدة، وما إذا كانت هناك حاجة إلى تطوير بعض الأحكام أو وضع تنظيمات أكثر تخصصًا.

التكنولوجيا تتطور.. والمسؤولية لا تختفي

إن قضية تسلا ليست مجرد قصة عن سيارة تعرضت لحادث، بل مثال على التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على مفاهيم اعتدنا التعامل معها، وفي مقدمتها المسؤولية عن الخطأ والحق في التعويض.

ومع تزايد اعتمادنا على الأنظمة الذكية، لن يكون من الممكن الاكتفاء بالثقة في قدراتها أو بالتحذيرات المصاحبة لاستخدامها، بل ستزداد أهمية وجود قواعد واضحة تحدد مسؤولية كل طرف، وتضمن حماية الإنسان عند وقوع الضرر.

فالتقدم التكنولوجي لا يعني غياب المسؤولية، بل يجعل تحديدها أكثر أهمية. وربما يكون التحدي الأكبر أمام القانون في السنوات المقبلة هو مواكبة هذا التطور، دون أن يفقد غايته الأساسية: حماية الإنسان وصون حقوقه.

عن الكاتبة

نسمة الشاطر، باحثة في القانون والاقتصاد، حاصلة على درجتي الماجستير في القانون من جامعة عين شمس، والتخطيط والتنمية من معهد التخطيط القومي. تنطلق رؤيتها الفكرية من إدراك عميق للتكامل بين القانون والاقتصاد، بوصفهما منظومتين متداخلتين تتشكل من خلالهما ملامح الدولة الحديثة، وتتحدد في إطارهما أسس العدالة الاجتماعية، وكفاءة إدارة الموارد، واستدامة التنمية.

وتتمحور اهتماماتها البحثية حول استكشاف التفاعلات بين البنية القانونية والتحولات الاقتصادية، وتحليل أثر التطورات التكنولوجية وتنامي العلاقات العابرة للحدود في إعادة تشكيل المفاهيم القانونية والاقتصادية التقليدية. كما تولي اهتمامًا خاصًا بتطوير الفكر القانوني في ضوء المتغيرات العالمية، واستشراف آفاق المواءمة بين التطور الاقتصادي والتكنولوجي من جهة، وحماية الحقوق والحريات وترسيخ مبادئ العدالة من جهة أخرى، إيمانًا منها بأن بناء مستقبل أكثر استدامة يتطلب رؤية معرفية متكاملة تتجاوز الحدود التقليدية للتخصصات…