
تتجاوز دلالة التصريحات التي تصدر عن قادة الدول الكبرى حدود المجاملة الدبلوماسية المعتادة، خصوصا عندما تتصل بدولة ذات ثقل إقليمي مثل مصر و الإشارة التي صدرت عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن أهمية الموقف المصري في التعامل مع الأحداث العالمية تستحق قراءة سياسية تتجاوز مضمونها المباشر، لأنها تفتح الباب أمام فهم أوسع لطبيعة الدور الذي تلعبه القاهرة في بيئة دولية وإقليمية شديدة التعقيد، تتغير فيها موازين القوى والتحالفات بوتيرة متسارعة.
المسألة هنا لا تتعلق بأن دولة ما تنتظر دائما الموقف المصري قبل أن تحدد سياساتها، فهذا تبسيط لا يتناسب مع طبيعة العلاقات الدولية، وإنما تتعلق بوجود دول وقوى ترى في الموقف المصري أحد العناصر المهمة عند صياغة رؤيتها تجاه عدد من الملفات، خاصة تلك التي ترتبط بالأمن الإقليمي، والاستقرار في الشرق الأوسط، وقضايا الطاقة والممرات البحرية، والأزمات الممتدة في المنطقة، وهذه المكانة لم تنشأ بفعل ظرف سياسي عابر، وإنما تشكلت عبر تراكم طويل من الجغرافيا والتاريخ والدبلوماسية والخبرة المؤسسية.
الخبرة التاريخية تكشف أن الوزن السياسي للدول لا يظهر فقط في البيانات الرسمية أو التحالفات المعلنة، وإنما يتجلى أيضا في قدرة دولة ما على أن تكون طرفا حاضرا عند لحظات إعادة تشكيل المواقف، ومن المفيد هنا استحضار بعض الخبرات التي تؤكد أن القاهرة ظلت، لعقود، نقطة ارتكاز مهمة في حسابات العديد من القوى الدولية والإقليمية، وفي أزمات كبرى شهدتها المنطقة، لم يكن السؤال دائما ماذا ستفعل مصر وحدها، وإنما كان السؤال أيضا: كيف ستقرأ مصر الأزمة؟ وما طبيعة الموقف الذي ستتبناه؟ وكيف يمكن أن يؤثر هذا الموقف في البيئة الإقليمية؟
وهنا تظهر إحدى الخصائص الأساسية للدور المصري: القوة لا تعني امتلاك القدرة على فرض القرار منفردا، وإنما تعني امتلاك القدرة على التأثير في القرار الجماعي وفي اتجاهات الحركة السياسية وهذه نقطة مهمة في فهم العلاقات الدولية، لأن الدول المؤثرة ليست بالضرورة الدول التي تستطيع إدارة كل الملفات، لكنها الدول التي يصبح موقفها عنصرا معتبرا في حسابات الآخرين.
وتأتي الجغرافيا المصرية في مقدمة مصادر هذه المكانة، مصر تقع عند نقطة التقاء دوائر عربية وأفريقية ومتوسطية، وتملك موقعا استراتيجيا يربط بين قارات وممرات تجارية وبحرية ذات أهمية عالمية كما أن امتلاكها قناة السويس، وارتباطها بالبحر المتوسط والبحر الأحمر، فضلا عن حدودها مع عدد من البيئات الإقليمية شديدة الحساسية، يجعل الاستقرار المصري جزءا من معادلة أوسع تتجاوز حدود الدولة المصرية.
لكن الجغرافيا وحدها لا تكفي لصناعة النفوذ هناك أيضا رصيد سياسي ودبلوماسي متراكم، ومؤسسات دولة تمتلك خبرة طويلة في إدارة الأزمات والتعامل مع القوى الدولية المختلفة وهذا ما يمنح مصر قدرة على التحرك في مساحات متعددة في الوقت نفسه، من دون أن يعني ذلك غياب التحديات أو الأخطاء أو الحاجة المستمرة إلى تطوير أدوات السياسة الخارجية والداخلية.
ومن الخطأ، في المقابل، أن يتحول الحديث عن الدور المصري إلى إنكار للمشكلات الداخلية، مصر تواجه بالفعل تحديات اقتصادية وضغوطا اجتماعية، وهناك حاجة مستمرة إلى تحسين كفاءة الإدارة، وتعزيز القدرة الإنتاجية، وتطوير السياسات العامة، وزيادة قدرة الاقتصاد على توليد فرص العمل وتحسين مستوى معيشة المواطنين، وهذه الملفات ليست منفصلة عن قوة الدولة، بل هي أحد مكوناتها الأساسية.
غير أن هناك فارقا جوهريا بين النقد الموضوعي لأداء الدولة وبين اختزال الدولة نفسها في أزماتها، الدول لا تقاس فقط بمؤشرات اقتصادية في لحظة زمنية، ولا بحجم ما تتلقاه من دعم أو تواجهه من ضغوط، وإنما تقاس كذلك بقدرتها على الحفاظ على تماسكها ومؤسساتها ومصالحها الوطنية، وعلى إعادة بناء قدراتها عندما تتغير الظروف.
إن أحد أهم عناصر القوة المصرية هو ما يمكن تسميته بـ«الاستمرارية الجيوسياسية» قد تتغير الحكومات، وتتبدل التحالفات، وتتغير طبيعة الأزمات، لكن موقع مصر ودورها في الإقليم لا يختفيان قد تتغير أدوات التأثير، وقد تتراجع قدرة الدولة أو تتقدم في مرحلة معينة، لكن الثوابت الجغرافية والتاريخية والاستراتيجية تظل حاضرة في حسابات القوى المختلفة.
ولهذا فإن قراءة الموقف المصري ينبغي ألا تكون أسيرة اللحظة، المشهد الدولي الحالي يشهد انتقالا من نظام أكثر انفرادا إلى بيئة متعددة المراكز، تتنافس فيها قوى كبرى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند، بينما تبحث القوى الإقليمية عن مساحات أكبر للحركة والمناورة وفي مثل هذه البيئة، تصبح الدول ذات الموقع الاستراتيجي والقدرة على التواصل مع أطراف متعددة أكثر أهمية، لأن قدرتها على بناء الجسور والحفاظ على قنوات الحوار تتحول إلى أصل سياسي واستراتيجي.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم أهمية الإشارة الروسية إلى الموقف المصري، المعنى الأعمق ليس أن القاهرة تمتلك إجابات جاهزة لكل أزمات العالم، وإنما أن لديها وزنا يجعل موقفها جديرا بالحساب وهذه في حد ذاتها إحدى علامات الدولة المؤثرة: أن يكون لها حضور في معادلات الآخرين، وأن تصبح رؤيتها جزءا من عملية تقدير المواقف.
وتحتاج مصر، في المرحلة المقبلة، إلى ترجمة هذا الرصيد التاريخي والجغرافي إلى قوة أكثر شمولا، عبر اقتصاد أكثر تنافسية، ومؤسسات أكثر كفاءة، وسياسات عامة أكثر قدرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين، إلى جانب سياسة خارجية نشطة ومتوازنة تحافظ على المصالح الوطنية وتوسع دوائر الشراكة.
في النهاية، لا ينبغي أن نعيش على التاريخ، لكن لا ينبغي أيضا أن ننساه، التاريخ ليس بديلا عن القوة، وإنما أحد مصادرها عندما يتحول إلى خبرة مؤسسية ووعي بالمصالح وقدرة على قراءة التحولات، ومصر، بكل ما تواجهه من تحديات، ليست دولة هامشية في محيطها أو في النظام الدولي، الأزمات الاقتصادية تحتاج إلى حلول، والإدارة تحتاج إلى تطوير، والقرارات تحتاج إلى مراجعة، لكن كل ذلك لا يلغي حقيقة أكثر رسوخا: الأزمة الاقتصادية قد تضغط على الدولة، لكنها لا تلغي الجغرافيا، ولا تمحو التاريخ، ولا تنهي الدور.




