الأربعاء، 12 أغسطس 20262:18 مساءً
آراء حرة

د. أحمد موسى يكتب: مصر وخارجية الاختيار.. قراءة استراتيجية في عدم انضمام القاهرة إلى التحالف الثلاثي الدفاعي

الأربعاء، 12 أغسطس 2026 09:00 صباحًا
د. أحمد موسى يكتب: مصر وخارجية الاختيار.. قراءة استراتيجية في عدم انضمام القاهرة إلى التحالف الثلاثي الدفاعي
أحمد موسي
15

في لحظة تاريخية حاسمة من تاريخ الشرق الأوسط المعاصر، وقّعت المملكة العربية السعودية وجمهورية تركيا وجمهورية باكستان الإسلامية في مكة المكرمة اتفاقية دفاع مشترك، تشكّل بموجبها أحدث تحالف إقليمي في المنطقة، يُعرف إعلامياً بـ”التحالف الثلاثي”، في حضور ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف.

 

وفي الوقت الذي كان العالم يراقب هذه اللحظة باهتمام بالغ، كانت العيون تتجه نحو القاهرة التي غابت عن حفل التوقيع، رغم أنها كانت طرفاً رئيسياً في الاجتماعات الرباعية التشاورية التي سبقت هذا التحالف بشهور.

 

ويبدو أن غياب مصر عن هذا التحالف ليس مجرد حدث عابر، بل هو قرار استراتيجي عميق يحمل في طياته دلالات سياسية وأمنية ودستورية وإقليمية واقتصادية واجتماعية، تستحق التحليل بعمق، خاصة في ظل المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالمنطقة بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران، والتي أعادت رسم خريطة التحالفات والاصطفافات في الشرق الأوسط بشكل جذري.

 

تشير الوقائع إلى أن مصر شاركت بفعالية على مدى الأشهر الماضية في سلسلة من الاجتماعات الأمنية والسياسية رباعية الجانب جمعتها بالسعودية وتركيا وباكستان.

 

ففي الحادي والعشرين من يونيو الماضي، استضافت القاهرة الاجتماع التشاوري الرابع لوزراء خارجية الدول الأربع، حيث ناقش الوزراء تطورات الأوضاع الإقليمية وسبل دعم الاستقرار في الشرق الأوسط، كما تناولوا الحرب في غزة والملفات المرتبطة بالسودان وليبيا والتوترات المحيطة بإيران.

 

وسبق هذا الاجتماع ثلاثة لقاءات أخرى عقدت في الرياض وإسلام أباد وأنطاليا، مما يعكس وجود مسار تنسيقي حقيقي بين هذه الدول الأربع. غير أن هذا المسار التشاوري انقسم فجأة إلى مسارين: الأول دفاعي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في مكة، والثاني سياسي استشاري ظلت مصر جزءاً منه دون أن تتقدم خطوة إلى الالتزام الدفاعي المتبادل.

 

إن هذا الانقسام في المسارات يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة العلاقة بين التشاور السياسي والالتزام العسكري، وعن الأسباب التي دفعت القاهرة إلى الاكتفاء بالحضور السياسي دون الانخراط في الالتزام الدفاعي. فالاتفاقية الموقعة في مكة تنص صراحة على أن الهجوم المسلح على أي من الدول الثلاث يُعتبر هجوماً على الجميع، وهو ما يعني دخولاً في حالة من الردع الجماعي والتضامن العسكري في حالات الطوارئ.

 

وهذا النوع من الالتزامات لا يمكن أن يُقدَّم عليه أي بلد دون حسابات استراتيجية دقيقة تتجاوز المكاسب الدعائية أو الانطباعات الإعلامية، خاصة دولة بحجم مصر وثقلها التاريخي والسياسي في المنطقة.

 

من الناحية الدستورية، تضع مصر قيوداً صارمة على إرسال قواتها المسلحة خارج حدودها. فالمادة 152 من الدستور المصري تنص على أن رئيس الجمهورية لا يجوز له إعلان الحرب أو إرسال القوات المسلحة في مهام قتالية خارج حدود الدولة إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب.

 

وهذه القيود الدستورية، وإن كانت لا تمنع توقيع اتفاقيات دفاعية بالمعنى الاستراتيجي، إلا أنها تجعل أي تفعيل لبنود الردع الجماعي عرضة لإجراءات برلمانية معقدة قد لا تتوافر فيها السرعة المطلوبة في حالات الطوارئ.

 

وبذلك، فإن الالتزام بميثاق دفاعي يتضمن بنداً للردع الجماعي يتعارض جوهرياً مع البنية الدستورية للنظام السياسي المصري، الذي يحتاج إلى توازنات داخلية دقيقة قبل أي مغامرة عسكرية خارجية.

 

وهذا الجانب الدستوري يُعدّ عاملاً حاسماً في فهم الموقف المصري، فالقاهرة لا تريد أن تُورط نفسها في التزامات قد تضعها في مواجهة مع برلمانها أو مع الرأي العام في حالات الطوارئ.

 

لكن الأبعاد الدستورية وحدها لا تكفي لتفسير الموقف المصري، فالدول الأخرى لديها أيضاً قيود دستورية وبرلمانية، لكنها وجدت في الاتفاقية مصلحة استراتيجية تبرر تجاوز هذه العقبات.

 

ولهذا، يجب البحث في الأبعاد الاستراتيجية والسياسية العميقة التي تحكم قرار القاهرة. فمصر، بخلاف السعودية، لا تواجه تهديدات مباشرة من الجماعات المسلحة المدعومة من إيران بنفس الحدة التي تواجهها الرياض.

 

فالسعودية تعاني من هجمات متكررة للحوثيين على أراضيها ومنشآتها النفطية، كما تتعرض سفنها التجارية لهجمات في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. وهذه التهديدات المتصاعدة دفعت الرياض إلى البحث عن شراكات دفاعية أوسع تضمن لها ردعاً جماعياً في مواجهة أي اعتداء محتمل. أما مصر، فتهديداتها الأمنية تتركز بشكل أكبر في سيناء وليبيا والحدود الغربية مع السودان، وهي تهديدات تختلف في طبيعتها عن التحديات التي تواجهها السعودية.

 

فالقاهرة لا تشعر بالحاجة الملحة إلى درع دفاعي إقليمي يحميها من تهديدات بعيدة، بل تركز جهودها على تأمين محيطها الجغرافي المباشر.

 

علاوة على ذلك، تمتلك مصر علاقات دبلوماسية معقدة مع إيران، وهي علاقات لا تصل إلى مستوى العداء المباشر الذي يميز العلاقة السعودية الإيرانية.

 

فالقاهرة تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع طهران، وتسعى إلى الحفاظ على توازن في علاقاتها الإقليمية يسمح لها بالحركة الدبلوماسية دون الانحياز الكامل إلى أي محور. وانضمام مصر إلى تحالف دفاعي يضم السعودية وتركيا وباكستان، ولو لم يُعلن استهدافه لإيران صراحة، فإنه يُقرأ في السياق الإقليمي كخطوة نحو محاصرة النفوذ الإيراني، وهو ما قد يُغلق أمام القاهرة أبواب التفاوض والوساطة التي تحتفظ بها مع الجانب الإيراني.

 

وفي ظل بيئة إقليمية متقلبة، فإن الحفاظ على هذه القنوات يُعدّ أصلاً استراتيجياً لا يمكن التفريط فيه بسهولة. فمصر تدرك أن إيران ليست مجرد خصم، بل هي لاعب إقليمي مهم قد تكون هناك حاجة للتفاوض معه في المستقبل، خاصة في ملفات مثل أمن الملاحة في البحر الأحمر والقضايا المتعلقة بلبنان واليمن.

 

من جهة أخرى، تتميز مصر بفلسفة أمنية قائمة على الاعتماد الذاتي والقدرات العسكرية الوطنية.

 

فالجيش المصري، باعتباره أحد أكبر الجيوش في المنطقة، يتمتع بقدرات دفاعية واسعة تتيح له حماية أراضيه دون الحاجة إلى حلفاء دفاعيين متعددين.

 

وهذه الفلسفة الأمنية تنعكس في مواقف مصر التاريخية، حيث امتنعت عن الانضمام إلى تحالفات عسكرية واسعة، واكتفت بالتعاون الثنائي في مجالات محددة.

 

فالقاهرة سبق لها أن رفضت الانضمام إلى تحالف “حارس الازدهار” رغم الضغوط الغربية، وظلت ملتزمة بحياد إيجابي في عدد من النزاعات الإقليمية. وهذا النمط من السلوك السياسي يعكس إيماناً عميقاً بأن الأمن القومي المصري يُبنى من الداخل، وأن الالتزامات الدفاعية المتعددة الأطراف قد تُورط البلاد في صراعات لا تهمها مباشرة.

 

فتاريخ مصر العسكري الحديث يُظهر أن القاهرة تفضل العمل بمفردها أو ضمن إطارات عربية محدودة، مثل القوات المشتركة في حرب 1973، بدلاً من الانخراط في تحالفات دائمة وملزمة.

 

كما أن مصر تُدرك جيداً أن التحالفات العسكرية ليست مجرد وثائق موقعة، بل هي التزامات سياسية وعسكرية تفرض تبعيات معقدة. فانضمام القاهرة إلى تحالف دفاعي مع السعودية وتركيا وباكستان يعني أن أي هجوم على الرياض أو أنقرة أو إسلام أباد سيُلزم مصر بالرد، وهو ما قد يُدخلها في حروب لا تخصها مباشرة.

 

وفي ظل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها مصر، فإن أي تورط عسكري خارجي يُعدّ مغامرة غير محسوبة قد تُضاعف أعباءها المالية والبشرية.

 

فالجيش المصري منشغل بالفعل بمهام داخلية واسعة، من مكافحة الإرهاب في سيناء إلى تأمين الحدود مع ليبيا والسودان، ولا يمكنه تحمل أعباء إضافية في مسارح بعيد، كما أن التكاليف المالية للمشاركة في تحالف دفاعي إقليمي تُعدّ عبئاً إضافياً على موازنة الدولة المصرية التي تعاني من ضغوط مالية خانقة.

 

ومع ذلك، فإن عدم انضمام مصر لا يعني بالضرورة رفضاً مطلقاً للتحالف أو معارضة له، فالتحليلات السياسية تشير إلى أن القاهرة قد تكون قد اختارت الاكتفاء بالإطار التشاوري الرباعي كمنصة للتنسيق السياسي دون الالتزام بالبنود الدفاعية.

 

فالإطار الرباعي، الذي يضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان، يتيح للقاهرة المشاركة في صياغة المواقف الإقليمية والتنسيق في الملفات الحساسة دون أن تُلزمها بأي التزامات عسكرية ملزمة. وهذا النموذج من “الحياد الإيجابي” يمنح مصر مرونة كبيرة في التحرك، ويسمح لها بالحفاظ على علاقاتها مع جميع الأطراف دون أن تُصنف في خانة محور معين.

 

فالقاهرة تريد أن تكون جزءاً من الحل، لا جزءاً من المشكلة، وأن تبقي أبوابها مفتوحة للجميع دون أن تُغلق أي باب بشكل نهائي.

 

كما أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أشار بعد حفل التوقيع إلى أن الاتفاقية مفتوحة لـ”الأمم الشقيقة” الراغبة في الانضمام، مما يترك الباب مفتوحاً أمام مصر للانضمام مستقبلاً إذا تغيرت الظروف الإقليمية.

 

وهذا التصريح يُشير إلى أن عدم انضمام مصر لم يكن نتيجة استبعادها أو رفضها، بل هو اختيار سيادي متعمد.

 

فلا توجد أدلة علنية على أن القاهرة تلقت دعوة رسمية ورفضتها، ولا على أن الاتفاقية تمنع الانضمام المستقبلي. وبالتالي، يمكن قراءة الموقف المصري على أنه “انتظار استراتيجي” يراقب فيه تطورات التحالف ومدى فعاليته قبل اتخاذ قرار الانضمام. فمصر تفضل أن تكون مراقباً ذكياً في المرحلة الأولى، قبل أن تُقرر الانخراط في مرحلة لاحقة إذا رأت أن مصلحتها تقتضي ذلك.

 

ومن المهم أيضاً النظر إلى البعد الإقليمي الأوسع لهذا التحالف. فالاتفاقية تضم تركيا، وهي عضو في حلف شمال الأطلسي “ناتو”، وباكستان، وهي دولة نووية، إلى جانب السعودية التي تمتلك إمكانيات مالية وعسكرية ضخمة.

 

وهذا المزيج يُعطي التحالف ثقلاً استراتيجياً كبيراً، لكنه يُثير في الوقت نفسه مخاوف من تحوله إلى كتلة عسكرية موجهة ضد إيران أو إسرائيل، فالإعلام الإسرائيلي أعرب عن قلقه من تنامي التقارب بين هذه الدول، وتحدث عن إمكانية تشكل “محور سني” جديد قادر على إعادة رسم خريطة التوازنات في المنطقة.

 

وفي هذا السياق، فإن عدم انضمام مصر يمكن فهمه كمحاولة للحفاظ على توازن إقليمي دقيق، وعدم المساهمة في تصعيد الاستقطابات الطائفية أو الجيوسياسية.

 

فالقاهرة ترفض أن تُصنف في خانة “المحور السني” مقابل “المحور الشيعي”، لأنها تدرك أن هذا التصنيف يُضيق من حركتها الدبلوماسية ويُعرضها لضغوط إضافية.

 

كما أن مصر تُدرك أن أي تحالف دفاعي في الشرق الأوسط لا يمكن فصله عن الدور الأمريكي. فالولايات المتحدة لا تزال اللاعب الأكبر في الأمن الإقليمي، وترى مراقبون أن هذا التحالف يتماشى مع النهج الأمريكي الرامي إلى تشجيع الشركاء الإقليميين على تحمل نصيب أكبر من العبء الأمني. ومع ذلك، فإن مصر تفضل الحفاظ على علاقتها الاستراتيجية المباشرة مع واشنطن دون وساطة تحالفات إقليمية قد تُعقد حساباتها.

 

فالقاهرة تستفيد من المساعدات العسكرية الأمريكية السنوية، وتعتبر علاقتها بواشنطن ركيزة أساسية لأمنها، ولا ترغب في أن تُصبح هذه العلاقة رهينة لمواقف تحالف إقليمي قد لا تتوافق دائماً مع أولوياتها.

 

فالولايات المتحدة قد ترحب بالتحالف كخطوة نحو “تحمّل العبء”، لكنها قد تكون قلقة أيضاً من أي تحالف يُضعف نفوذها المباشر على دول المنطقة، ومصر تفضل أن تبقي علاقتها مع واشنطن على المسار الثنائي المباشر.

 

إضافة إلى ذلك، يجب ألا نغفل البعد الاقتصادي في قرار مص، فالقاهرة تعاني من أزمة اقتصادية خانقة تتطلب تركيزاً كاملاً على الملف الداخلي. فالانضمام إلى تحالف دفاعي يتطلب مساهمات مالية وعسكرية قد تُثقل كاهل الموازنة المصرية.

 

فالسعودية تمتلك الإمكانيات المالية للمساهمة في تمويل التحالف، وتركيا تمتلك الصناعة العسكرية المتطورة، وباكستان تمتلك القدرات النووية، لكن مصر لا تملك في الوقت الراهن الفائض المالي أو الصناعي للمساهمة بفعالية في مثل هذا التحالف. فالقاهرة تُفضل استثمار مواردها المحدودة في تطوير قدراتها العسكرية الوطنية وتأمين حدودها، بدلاً من توزيعها على التزامات إقليمية قد لا تُعيد لها عائداً مباشراً.

 

ومن الناحية الإسرائيلية، فإن عدم انضمام مصر يحمل دلالات إضافية. فإسرائيل تراقب بقلق تنامي التعاون العسكري بين مصر وتركيا، خاصة بعد المناورات الجوية المشتركة “النسر الثلاثي” التي شاركت فيها القوات الجوية المصرية في تركيا.

 

غير أن عدم انضمام القاهرة إلى التحالف الثلاثي يُبقيها في دائرة منفصلة، ويمنع تشكل جبهة موحدة قد تُشكل تهديداً استراتيجياً لإسرائيل. فالقاهرة تدرك أن أي تحالف يضم تركيا وباكستان سيُثير مخاوف إسرائيلية عميقة، وأنها لا تريد أن تُعرض علاقتها مع تل أبيب لمزيد من التوتر، خاصة في ظل اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية التي لا تزال ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة. فمصر تريد الحفاظ على توازن دقيق: تقارب مع تركيا دون أن تُغضب إسرائيل، وتنسيق مع السعودية دون أن تُستفز إيران.

 

ومن الناحية التاريخية، تُقدم تجارب مصر السابقة مع التحالفات العربية دروساً بليغة. فالقاهرة كانت طرفاً مؤسساً في جامعة الدول العربية، وشاركت في القوات المشتركة العربية، لكنها تعلمت من تجارب الماضي أن الالتزامات الجماعية غالباً ما تكون أثقل مما تبدو. ففي حرب 1967، وجدت مصر نفسها متورطة في مواجهة عسكرية دون دعم فعال من حلفائها العرب. وفي حرب 1973، رغم نجاح التنسيق المحدود مع سوريا، إلا أن التحالفات الأوسع أثبتت هشاشتها. وهذه التجارب تركت بصماتها العميقة على الفكر الاستراتيجي المصري، الذي أصبح يميل نحو الاكتفاء الذاتي والحذر من الالتزامات الجماعية الواسعة. فالقاهرة تفضل أن تبني قوتها بمفردها، وأن تكون علاقاتها مع الدول الأخرى قائمة على المصالح المتبادلة لا على الالتزامات الملزمة.

 

ومن الناحية الاجتماعية والرأي العام، فإن أي قرار بالانضمام إلى تحالف دفاعي إقليمي يحتاج إلى شرعية شعبية. فالرأي العام المصري، الذي يعاني من أعباء اقتصادية ثقيلة، قد لا يرحب بفكرة إرسال جنود مصريين للقتال في حروب بعيدة. فالشعب المصري يُعطي الأولوية القصوى للقضايا الداخلية، من التعليم والصحة والمعيشة إلى الأمن القومي المباشر. ولهذا، فإن أي قرار بالانضمام إلى تحالف دفاعي يحتاج إلى تمهيد إعلامي واسع وإقناع شعبي قد لا يكون متوفراً في الوقت الراهن. فالقاهرة تدرك أن الشرعية الداخلية هي أساس أي قرار استراتيجي، وأنها لا يمكن أن تُقدم على خطوة قد تُثير جدلاً داخلياً واسعاً دون ضمانات واضحة.

 

وفي المحصلة، يمكن القول إن عدم انضمام مصر إلى التحالف الثلاثي ليس ضعفاً أو عزلة، بل هو خيار استراتيجي مدروس يعكس عمق التجربة السياسية المصرية وفهمها الدقيق لطبيعة التحالفات في الشرق الأوسط. فمصر، التي عاشت عقوداً من الالتزامات العربية الجماعية، تعلم جيداً أن التحالفات العسكرية في المنطقة غالباً ما تكون هشة وقصيرة العمر، وأن الالتزامات المكتوبة قد تتحول إلى أعباء سياسية وعسكرية تفوق مكاسبها. ولهذا، فإن القاهرة اختارت البقاء في دائرة التشاور السياسي دون الانزلاق إلى دائرة الالتزام الدفاعي، محافظةً على استقلاليتها السيادية ومرونتها الدبلوماسية. فالتاريخ يُعلمنا أن التحالفات التي تُبنى على الندية الحقيقية تدوم، بينما التي تُبنى على التبعية أو الضرورة المؤقتة تتهاوى بسرعة.

 

إن هذا الخيار لا يعني أن مصر معزولة أو منفصلة عن ديناميكيات المنطقة. فالقاهرة لا تزال طرفاً فاعلاً في الإطار الرباعي، وتشارك في المناورات العسكرية مع تركيا، وتنسق مواقفها مع السعودية في ملفات عديدة. لكنها تفضل أن تبقي علاقاتها على مستوى ثنائي أو تنسيقي دون أن تُلزم نفسها بأي ميثاق دفاعي جماعي. وهذا النهج يعكس حكمة سياسية عميقة تدرك أن في الشرق الأوسط، كما في السياسة الدولية عموماً، فإن أفضل تحالف هو ذلك الذي لا يُلزمك بما لا تريد، ولا يُورطك فيما لا يهمك. فمصر تلعب لعبة الشطرنج الإقليمي ببرودة أعصاب، تتحرك ببطء وحذر، وتترك لنفسها مساحة للمناورة دون أن تُحاصر نفسها في زوايا ضيقة.

 

وفي الختام، يمكن القول إن مستقبل العلاقة بين مصر والتحالف الثلاثي يظل مفتوحاً على احتمالات متعددة. فالقاهرة قد تختار الانضمام في مرحلة لاحقة إذا رأت أن مصلحتها تقتضي ذلك، أو قد تظل خارجة لتحافظ على استقلاليتها. لكن ما هو مؤكد أن قرارها الحالي ليس عبثاً أو عرضياً، بل هو نتاج حسابات استراتيجية معقدة تأخذ في الاعتبار كل المتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية. فمصر، بتاريخها العريق وثقلها السياسي، تدرك أن السيادة الحقيقية تكمن في القدرة على اختيار الحلفاء دون إكراه، والقدرة على البقاء خارج التحالفات دون عزلة. وهذا هو جوهر السياسة الخارجية المصرية في عالم متغير: التوازن دون الانحياز، والتعاون دون التبعية، والحذر دون الجبن. ففي لعبة التحالفات الكبرى، قد تكون الخارجية هي أذكى حركة.