السبت، 1 أغسطس 20266:05 مساءً
آراء حرة

اللواء د. رضا فرحات يكتب .. السلام يبدأ من القاهرة

السبت، 01 أغسطس 2026 01:44 مساءً
اللواء د. رضا فرحات يكتب .. السلام يبدأ من القاهرة
اللواء د. رضا فرحات
15

لم يكن التوافق على استكمال تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة مجرد تطور سياسي عابر، بل جاء ليؤكد مجددا أن مصر ما زالت تمثل الركيزة الأساسية لأي جهد يستهدف إنهاء الصراع وتهيئة الأجواء نحو تسوية عادلة ومستدامة للقضية الفلسطينية. فكلما تعقدت الأزمات، عادت القاهرة لتؤدي دورها التاريخي باعتبارها الطرف الأكثر قدرة على الجمع بين مختلف الأطراف، والأكثر إدراكًا لطبيعة التوازنات الدقيقة التي تحكم هذا الملف شديد الحساسية، وكلما ضاقت مساحات الحل، عاد الجميع إلى القاهرة لأنها الدولة التي لم تتخل يوما عن مسؤوليتها تجاه الإقليم، ولم تتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفا سياسيا عابرا، وإنما باعتبارها قضية ترتبط بالأمن القومي المصري وباستقرار الشرق الأوسط كله.

 

ومن يتابع ما جرى في ملف غزة خلال الأشهر الأخيرة يدرك أن الدبلوماسية المصرية لم تكن تتحرك بحثا عن الأضواء، بل كانت تعمل في صمت، وتترك النتائج تتحدث، الدبلوماسية الحقيقية لا تقاس بعدد المؤتمرات، وإنما بعدد الأزمات التي نجحت في منعها قبل أن تقع، وبالقدرة على تقريب وجهات النظر في لحظات يستحيل فيها الاتفاق ولذلك، فإن الدفع نحو استكمال المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار ليس نجاحا تفاوضيا فحسب، بل رسالة سياسية تؤكد أن القاهرة ما زالت تمسك بالخيط الذي يمنع المنطقة من السقوط الكامل في الفوضى، الجميع يعرف أن أي اتفاق لا يجد مصر في قلبه، يبقى اتفاقا هشا، وأن أي تسوية لا تحظى بضمانات القاهرة تظل معرضة للانهيار مع أول اختبار.

 

هذه ليست مصادفة، وإنما حصيلة عقود من بناء الثقة، مصر لم تغير مواقفها بتغير الحكومات أو الإدارات الدولية، ولم تتعامل مع القضية الفلسطينية بمنطق المكاسب الآنية، بل حافظت على ثوابت واضحة؛ رفض تهجير الفلسطينيين، والدفاع عن حقهم في إقامة دولتهم المستقلة، والعمل في الوقت نفسه على حماية الأمن القومي المصري ومنع امتداد الصراع إلى حدود الدولة المصرية.

 

وفي عالم أصبح الصوت الأعلى فيه للسلاح، تبدو مصر وكأنها تتمسك بخيار مختلف، لا لأنها ترفض القوة، وإنما لأنها تدرك أن القوة الحقيقية ليست في إشعال الحروب، بل في القدرة على منعها وأن الانتصار الحقيقي ليس في زيادة عدد الضحايا، وإنما في إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وفتح نافذة أمل أمام شعوب أنهكتها الصراعات ومن هنا يمكن فهم السياسة المصرية في غزة، فهي ليست سياسة رد فعل، وإنما سياسة دولة تعرف ماذا تريد، وتدرك أن استقرار المنطقة يبدأ من استقرار فلسطين، وأن الأمن لا يتحقق بالاحتلال، ولا بالتهجير، ولا بسياسة الأمر الواقع، وإنما بالعدل واحترام الحقوق المشروعة للشعوب.

 

 

لقد أثبتت السنوات الماضية أن القاهرة لم تكن يوما طرفا يبحث عن دور، لأن الدور المصري لا يحتاج إلى من يمنحه شرعية، شرعيته مستمدة من التاريخ، ومن الجغرافيا، ومن شبكة العلاقات التي بنتها الدولة المصرية مع مختلف الأطراف، ومن قدرتها على أن تكون الجسر الذي يعبر عليه الجميع عندما تتعطل كل الجسور الأخرى وما تحقق في مسار المفاوضات الأخيرة يؤكد مرة أخرى أن مصر لا تزال الرقم الأصعب في معادلة السلام، وأنها الدولة التي تجمع بين الحكمة والقدرة، وبين الثبات والمرونة، وبين الدفاع عن مصالحها الوطنية والالتزام بمسؤولياتها الإقليمية.

 

وهكذا تبقى القاهرة، كما كانت دائما، عاصمة لفكرة الاستقرار في منطقة تتغير خرائطها كل يوم وكلما ارتفع ضجيج الحرب، ازداد يقين العالم بأن الطريق إلى السلام لا يزال يمر من مصر.