الجمعة، 18 سبتمبر 20261:38 صباحاً
آراء حرة

مجدي حمدان يكتب: الوطن ليس مكافأة للمتفقين ولا عقوبة للمختلفين

الخميس، 17 سبتمبر 2026 05:18 مساءً
مجدي حمدان يكتب: الوطن ليس مكافأة للمتفقين ولا عقوبة للمختلفين
مجدي حمدان – عضو المجلس الرئاسي لحزب المحافظين
15

بمناسبة ما دار حول عودة الفنان الكبير هشام عبد الحميد إلى مصر بعد سنوات طويلة من الغربة، أعتقد أن علينا أن نتوقف قليلًا أمام قضية أكبر من عودة شخص، وأن نتذكر أن هناك مصريين كثيرين من مختلف التيارات والاتجاهات، غادروا وطنهم في ظروف مختلفة، بعضهم أخطأ، وبعضهم لم يرتكب مخالفة أو جريمة، وبعضهم خرج تحت وطأة الخوف والريبة والاضطراب، حين وجد نفسه فجأة في دائرة من الشك، فاختار الرحيل.

 

هؤلاء، مهما اختلفنا معهم أو اختلفوا معنا، يظل الوطن يسكن داخلهم.

 

فالغربة ليست مجرد مكان بعيد عن مصر، وإنما شعور ثقيل يأكل الإنسان من الداخل. وهناك من يجلس كل يوم يتذكر حياتة في مصر ويتذكر تاريخها الطويل، وشوارعها وبيوتها وأهله وأصدقاءه، ويكتشف أن الإنسان يستطيع أن يعيش بعيدًا عن وطنه، لكنه لا يستطيع أن ينتزع الوطن من قلبه.

 

ومن بين هؤلاء من لم يرتكب ما يودي به إلى سجن أو منفى أو حتى إلى مجرد الارتياب فيه.

 

ولذلك أتمنى لكل مصري يريد العودة إلى بلده عودة طيبة وآمنة إلى مصر، من نافذة واسعة تصنعها صدور متسامحة وعقول تدرك معنى السياسة والكياسة.

 

فمصر، بتاريخها وحضارتها، لا يليق بها أن تختزل أبناءها في خانات متصارعة، ولا أن يصبح الاختلاف في الرأي سببًا كافيًا لتحويل المواطن إلى غريب عن وطنه.

 

وبالطبع، هناك فارق كبير بين الاختلاف السياسي وبين ارتكاب الجرائم. فمن ارتكب جريمة حقيقية يجب أن يخضع للقانون، ومن ثبتت عليه أفعال تستوجب المحاسبة فلا يمكن أن تكون المصالحة غطاءً لإهدار حق المجتمع أو الضحايا.

 

وقد عاد بعض المصريين بالفعل من خلال أبواب مختلفة، ومن بينهم من كانت عودته مرتبطة بإجراءات أمنية أو قانونية، كما أن هناك من ارتكب تجاوزات بالغة في حق آخرين، سواء بالسباب أو الإساءة أو غير ذلك، وهناك من أثيرت حوله اتهامات وأدوار تتعلق بالعمل على مراقبة المعارضة في الخارج.

 

لكن الحديث هنا ليس عن تبرئة أحد أو إدانة أحد، ولا عن منح حصانة سياسية لأحد.

 

الحديث أكبر من ذلك.

 

الحديث عن مبدأ الدولة في التعامل مع أبنائها، وعن قدرتها على فتح صفحة جديدة عندما يكون ذلك ممكنًا، وعن الفصل بين من ارتكب جريمة تستوجب العقاب، وبين من كان ذنبه الحقيقي أنه اختلف في الرأي أو اتخذ موقفًا سياسيًا لم يعجب السلطة في لحظة من اللحظات.

 

فمصر لم تكن يومًا وطنًا ضيقًا على أبنائها، ولا ينبغي أن يصبح الخلاف السياسي سببًا دائمًا في القطيعة بين الإنسان وبلده.

 

وهنا يأتي الدستور ليضع لنا إطارًا واضحًا.

 

فالمادة 53 تؤكد مبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والحريات والواجبات العامة دون تمييز، ومن بين ما ذكرته صراحة الانتماء السياسي.

 

ثم تأتي المادة 241 لتفتح الباب أمام مفهوم العدالة الانتقالية، بما يرتبط بكشف الحقيقة والمساءلة، واقتراح أطر للمصالحة الوطنية وتعويض الضحايا.

 

وهذا المفهوم بالغ الأهمية؛ لأن العدالة الانتقالية لا تعني أن ننسى، ولا تعني أن نعفو بلا حساب، وإنما تعني أن نعالج جراح الماضي بعدالة، وأن نفرق بين الجريمة والخلاف، وبين المسؤولية السياسية والمسؤولية الجنائية، ثم نبحث عن طريق يمكن من خلاله أن يتسع الوطن للجميع.

 

إذا كنا نريد بالفعل بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة، فإننا نحتاج إلى دولة قوية بالقانون، لا بالخوف؛ دولة تستطيع أن تستوعب الاختلاف، وتفرق بين المعارض والعدو، وبين صاحب الرأي وصاحب الجريمة.

 

ولا يجوز أن يتحول المصري إلى غريب في وطنه لمجرد أنه اختلف سياسيًا، كما لا ينبغي أن يصبح الانتماء السياسي معيارًا للمواطنة.

 

نحن لا نحتاج إلى محو الماضي، وإنما إلى التعامل معه بشجاعة وعدالة.

 

ولا نحتاج إلى إسقاط المحاسبة، وإنما إلى محاسبة عادلة لا تخلط بين من ارتكب جريمة ومن مارس حقه في الاختلاف.

 

مصر تحتاج اليوم إلى فتح صفحات جديدة، صفحات لا تمزق الصفحات القديمة ولا تنكر ما حدث، لكنها تمنع الماضي من أن يظل حاكمًا على المستقبل.

 

فالوطن ليس مكافأة للمتفقين، ولا عقوبة للمختلفين.

 

الوطن حق، والمواطنة مسؤولية، والقانون هو الفيصل.

 

ومصر التي علمت العالم معنى الدولة والحضارة، قادرة أيضًا على أن تعلم أبناءها والعالم أن قوة الدولة لا تقاس بعدد من تستبعدهم، وإنما بقدرتها على استيعاب اختلاف أبنائها، وإقامة العدل بينهم، وفتح الطريق أمامهم ليعودوا ويعيشوا ويختلفوا داخل وطنهم، لا خارجه.

 

مصر تتسع للجميع… ما دام القانون هو الحاكم، والعدالة هي الطريق، والمواطنة هي الأساس

بقلم

مجدي حمدان

عضو المجلس الرئاسي بحزب المحافظين