الثلاثاء، 30 يونيو 202611:09 مساءً
آراء حرة

المستشار محمد مجدي صالح يكتب: 30 يونيو.. ثورة الإرادة وميلاد الدولة من جديد

الثلاثاء، 30 يونيو 2026 11:13 صباحًا
المستشار محمد مجدي صالح يكتب: 30 يونيو.. ثورة الإرادة وميلاد الدولة من جديد
المستشار محمد صالح
15

في الثلاثين من يونيو عام ألفين وثلاثة عشر، كتب الشعب المصري بإرادته الجماعية واحدة من أبرز صفحات تاريخه المعاصر، خرجت ملايين المصريين إلى الميادين والشوارع في مشهد غير مسبوق، لا يشبه سوى لحظات الانبعاث الكبرى في تاريخ الأمم، حين يقرر الشعب بوعيٍ ونضج أن يُعيد رسم مصيره بيده.

لم تكن تلك الجموع الهادرة تعبيراً عن مزاجٍ آني أو غضبة عابرة، بل كانت ترجمةً حية لحالة من اليقظة الوطنية الجماعية، إدراكاً حاداً بأن مسار الدولة كان ينحدر نحو الهاوية، وأن البلاد تُساق بعيداً عن هويتها ووحدتها الوطنية وتراثها المدني العريق، كان المصريون يرون بأم أعينهم مخططاً ممنهجاً لتفكيك مؤسسات الدولة واختراقها، وتوظيف الحكم أداةً لصالح جماعة بعينها، لا لخدمة الوطن بكل أطيافه وفئاته.

 

 

جاءت استجابة القوات المسلحة لإرادة الشعب تعبيراً صادقاً عن عقيدتها الراسخة في الذود عن الوطن وحماية الدولة المصرية، لم يكن ما جرى انقلاباً على الشرعية، بل كان إنقاذاً للشرعية الحقيقية المتجذرة في إرادة الأمة، وصوناً لمصر من الانزلاق نحو مصير أشبه بدول الفوضى التي عصفت بها الصراعات من حولها،

ومنذ تلك اللحظة الفارقة، انطلقت مصر في مسار بناءٍ طموح لم تشهده في تاريخها الحديث.

 

على الصعيد الاقتصادي، شُيِّدت آلاف الكيلومترات من الطرق والمحاور الجديدة التي وصلت بين أطراف الجمهورية، وأُقيمت مدن جيل رابع على رأسها العاصمة الإدارية الجديدة التي باتت شاهداً معمارياً وتنموياً على عزيمة الدولة، وفي قطاع الطاقة، انتقلت مصر من عجزٍ مزمن كان يُهدد منظومتها الإنتاجية إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي، بل والتحول إلى مُصدِّر للكهرباء في المنطقة.

 

وعلى الجانب الاجتماعي، جرى إطلاق منظومة متكاملة من مبادرات الرعاية الصحية، ومشاريع الإسكان الاجتماعي، وبرامج دعم محدودي الدخل، في تجسيدٍ عملي لمبدأ أن التنمية لا تُقاس بالأرقام الكلية وحدها، بل بمدى وصول ثمارها إلى أبعد فرد في أبعد قرية.

 

 

ولا يمكن الحديث عن مكتسبات ثلاثين يونيو دون الإشارة إلى الملف الأمني الذي كان يمثل التهديد الأشد خطورة على وجود الدولة. فقد استطاعت مصر، بقيادةٍ سياسية وعسكرية حازمة، أن تُعيد بسط سيطرة الدولة على سيناء، وأن تُوجِّه ضربات موجعة لمنظومات الإرهاب التي أرادت أن تجعل من الأرض المصرية مسرحاً لمآربها الظلامية.

 

 

واليوم، وقد استكملت ثورة الثلاثين من يونيو عامها الثالث عشر، يقف المصريون أمام استحقاق التأمل والمراجعة، لا من باب الاسترخاء والاتكاء على ما تحقق، بل من باب اكتشاف الطاقات الكامنة وترتيب الأولويات، فالبناء الحقيقي لا ينتهي بافتتاح مشروع أو تدشين مدينة، بل هو رهينٌ دائماً بجودة الإنسان المصري تعليماً وصحةً وكرامةً معيشية وحريةً في الابتكار والإبداع.

 

 

إن ثلاثين من يونيو ليست ذكرى تُستحضر للاحتفاء فحسب، بل هي بوصلة توجيه ومصدر إلهام يُذكِّر بأن الشعوب حين تتحد حول مشروع وطني حقيقي، فإنها تستطيع أن تُحوِّل لحظات الخطر إلى نقاط انطلاق. وما على مصر اليوم إلا أن تُواصل مسيرتها بذات الإرادة وذات الوعي، لأن المستقبل لا يُبنى بالانتظار، بل بالعمل المتواصل والإيمان الراسخ بعظمة هذا الوطن وأهل هذا الوطن.