
لا يختزل التاريخ في أعوام وأيام مدونة على هوامش الكتب، ولا في أسماء ملوك تعاقبوا على العروش أو معارك انطفأ غبارها، وإنما هو الذاكرة الحية للأمم، والروح التي تبقى بعد أن يرحل الرجال وتندثر الدول
فيجعل الأمم قادرة على أن تتذكر نفسها حين تكاد تنساها.
ولهذا فإن الدول العظيمة لا تموت فجأة، كما أنها لا تنهض مصادفة، إنها تمرض وتضعف وتتعثر، لكنها تحتفظ في أعماقها بسر عجيب، هو ذلك الوعي الجمعي الذي يجعلها تدرك لحظة الخطر، فتعود إلى نفسها، وتسترد روحها، وتبدأ من جديد.
وهنا تكمن خصوصية مصر.
فمصر ليست دولة نشأت في منعطف من منعطفات التاريخ ثم مضت في طريقها كغيرها من الأمم، مصر هي إحدى الدول القليلة التي صنعت فكرة الدولة ذاتها، حين كانت الأرض تمتلئ بالقبائل المتناثرة، وحين كان الإنسان لا يعرف سوى الانتماء إلى العشيرة أو الأسرة، كانت مصر قد عرفت معنى السلطة والنظام والقانون والإدارة، وأقامت دولة مركزية قبل أن تعرف الإنسانية هذا المعنى بقرون طويلة.
ومن هنا نشأ ذلك الشعور الغامض الذي يسكن المصريين؛ شعور بأن الدولة ليست مؤسسة سياسية وحسب، وإنما هي قدر، وهي جزء من تكوينهم النفسي والحضاري. فالمصري قد يختلف مع حكومته، وقد يثور على حاكمه، لكنه لا يقبل أبدا أن تنهار الدولة، لأن سقوط الدولة عنده ليس تغييرا في نظام الحكم، وإنما هو سقوط لفكرة مصر نفسها.
ومن يقرأ تاريخ هذا البلد قراءة متأنية يكتشف أن مصر عرفت الانكسار مرات كثيرة، لكنها لم تعرف الفناء أبدا، تعثرت، ثم نهضت، ضعفت، ثم استعادت قوتها. دخلها الغزاة، ثم ذابوا فيها أو خرجوا منها، وبقيت هي، ذلك لأن في هذه الأرض شيئا أكبر من السياسة وأبقى من الحكام.
وحين أقبل الثلاثون من يونيو، لم تقف مصر أمام أزمة حكم عابرة، وإنما وقفت أمام سؤال وجودها ذاته؛ أتبقى الدولة كما عرفها أبناؤها عبر القرون، أم تنزلق إلى طريق يبدل روحها ويغير وجهها؟
لم يكن الأمر مجرد خلاف سياسي بين سلطة ومعارضة، ولا مجرد احتجاج شعبي على سوء إدارة أو فشل اقتصادي، بل كان في جوهره لحظة تاريخية شعرت فيها الأمة أن الدولة نفسها أصبحت في خطر.
لقد أدرك المصريون، بفطرتهم التاريخية قبل حساباتهم السياسية، أن بلادهم تسير نحو مشروع لا يشبهها، وأن الدولة الوطنية التي تشكلت عبر قرنين من الزمن تتعرض لمحاولة تغيير عميقة في هويتها وفلسفتها.
كان الخلاف، في حقيقته، حول سؤال أكبر من الأشخاص والأحزاب: ما هي مصر؟
هل هي دولة وطنية حديثة، تقوم على المؤسسات والقانون والمواطنة؟ أم هي مجرد ساحة لتنظيم عابر للحدود يرى أن الولاء للجماعة يسبق الولاء للوطن، وأن الدولة ليست غاية في ذاتها، وإنما أداة لتحقيق مشروع أيديولوجي أوسع؟
وحين وصلت الأمة إلى هذا السؤال، لم يعد ممكنا أن تقف متفرجة.
خرج المصريون يوم الثلاثين من يونيو لا لأن الأسعار ارتفعت، ولا لأن حكومة أخفقت في إدارة ملفاتها، وإنما لأنهم شعروا بأن شيئا من روحهم العميقة يوشك أن يُنتزع منهم.
وفي لحظات كهذه لا تتحرك الشعوب بدافع السياسة وحدها، وإنما تتحرك بدافع الغريزة الحضارية؛ غريزة البقاء.
وكانت القاهرة، كما كانت دائما في لحظات التاريخ الكبرى، هي المسرح الذي أعلن فيه المصريون قرارهم.
إن لهذه المدينة شيئا من السحر التاريخي. فمنها خرجت الجيوش التي أوقفت زحف التتار، ومنها انطلقت حركات التحرر، وفي شوارعها صنعت الأمة العربية كثيرا من أحلامها وانكساراتها.
وحين اهتزت القاهرة في الثلاثين من يونيو، لم يكن الذي يهتز هو عاصمة لدولة واحدة، بل قلب منطقة بأسرها.
ولهذا فإن سقوط مصر لم يكن يوما شأنا مصريا خالصا، كما أن نهوضها لم يكن يوما مسألة تخص أبناءها وحدهم.
إن مصر بحكم الجغرافيا والتاريخ والسكان والثقافة ليست دولة على هامش الشرق الأوسط، وإنما هي مركز ثقله.
وحين تضعف القاهرة تضطرب المنطقة، وحين تستعيد عافيتها يستعيد الإقليم شيئا من توازنه.
ولذلك لم تكن الثلاثون من يونيو مجرد لحظة إنقاذ للدولة المصرية، بل كانت أيضا لحظة إنقاذ لفكرة الدولة الوطنية في المنطقة كلها.
غير أن استرداد الدولة لم يكن نهاية الطريق.
فالأمم لا تحيا بالشعارات، وإنما بالعمل الشاق.
وقد وجدت مصر نفسها بعد ذلك أمام تركة ثقيلة؛ إرهاب يضرب في سيناء، واقتصاد مثقل بالأزمات، وحدود مشتعلة، ومنطقة عربية تتهاوى فيها الدول وتسقط فيها الجيوش وتتمدد الميليشيات.
وكان يمكن للدولة أن تنشغل بمعركة البقاء وحدها.
لكن مصر اختارت طريقا آخر، اختارت أن تقاتل وتبني في وقت واحد.
ففي الوقت الذي كان فيه الجنود يواجهون الإرهاب في الجبال والوديان، كانت الطرق تمتد، والمدن الجديدة ترتفع، والموانئ تتطور، والمصانع تُقام، والأرض تسترد قدرتها على الإنتاج.
وكأن مصر كانت تستعيد قاعدتها القديمة التي قامت عليها حضارتها منذ آلاف السنين: لا أمن بلا عمران، ولا عمران بلا قوة تحميه.
وفي الوقت نفسه أعادت الدولة بناء عناصر قوتها الشاملة، وطورت جيشها، ورسخت حضورها السياسي، واستعادت قدرتها على الحركة والتأثير.
ولم يكن الهدف من امتلاك القوة صناعة الحرب، وإنما منعها.
فالدول القوية لا تلوح بالسيف لأنها تعشق القتال، بل لأنها تدرك أن السلام نفسه يحتاج إلى قوة تحميه.
وهكذا، وبعد سنوات من العمل الشاق، بدأت القاهرة تستعيد موقعها الطبيعي؛ لا باعتبارها قوة تبحث عن النفوذ، وإنما باعتبارها دولة تدرك أن استقرارها جزء من استقرار محيطها كله.
إن الثلاثين من يونيو هي ثورة كشفت عن حقيقة غابت عن كثيرين، هي أن مصر تمتلك دائما قدرة نادرة على تجديد نفسها، قد تتعثر، وقد تضعف، وقد تمر عليها لحظات يظن الناس أنها أوشكت على السقوط، لكنها تعود في النهاية إلى ذاتها، لأن جذورها أعمق من العواصف.
وهكذا فعلت مصر.
ففي لحظة ظن كثيرون أنها تتجه إلى المجهول، عادت لتقول للعالم بلغتها القديمة التي لم تنقطع منذ آلاف السنين: أنا تاج العلاء في مفرق الشرق ودراته فرائد عقدي…ما رماني رامٍ وراح سليما من قديم عناية الله جندي.
هنا مصر التي كلما ظن التاريخ أنه تجاوزها، عادت لتكتب سطوره من جديد.





