
هناك لحظات في عمر الأوطان لا تقاس بعدد الأيام، بل بحجم التحولات التي تتركها في ذاكرة الشعوب. وبين الخامس والعشرين من يناير والثلاثين من يونيو، عاشت مصر واحدة من أكثر مراحلها التاريخية حساسية وتعقيدا، حيث اختلطت الآمال بالمخاوف، وتداخلت الشعارات مع الوقائع، حتى بدا المشهد وكأنه مغطى بضباب كثيف يحجب الرؤية عن الجميع.
كلما حلَّت ذكرى الثلاثين من يونيو، لا تعود إلى ذهني مشاهد الحشود وحدها، بل أتذكر وجه رجل التقيته ذات يوم في رحلة بالقطار. كان في أواخر الأربعينيات، أنيق المظهر، هادئ القسمات، لكنه كان يتحسس طريقه بعصاه، بينما يقوده شاب في كل خطوة. كان فقدان البصر ظاهرًا، أما الألم الحقيقي فكان مختبئًا في نبرة صوته.
دار بيننا حديث قصير، لكنه ترك أثرًا لا يمحوه الزمن. أخبرني أنه كان يعمل في تجارة الذهب، وأن حياته تبدلت في لحظات خلال أحداث شارع محمد محمود. قال إنه حاول إنقاذ فتاة من اعتداء، فوجد نفسه وسط دائرة من العنف؛ تعرض للضرب، وسُرقت متعلقاته، ثم أُلقيت مادة على وجهه أفقدته بصره إلى الأبد.
بين كلماته، لم أكن أرى مأساة رجل فقد عينيه فحسب، بل كنت أرى صورة وطن عاش سنوات من الضبابية. فقد اختلطت خلال تلك المرحلة الحدود بين الثورة والفوضى، وبين الحلم والفعل، وبين المطالب المشروعة ومحاولات استغلال المشهد لتحقيق أهداف سياسية لا تعبر عن وجدان الدولة المصرية.
لقد كشفت تلك السنوات أن الفراغ السياسي والفوضى يفتحان الأبواب أمام قوى تسعى إلى فرض رؤيتها على حساب هوية الوطن ومؤسساته. ومع تصاعد الاستقطاب، شعر قطاع واسع من المصريين بأن الدولة تواجه اختبارًا مصيريًا، وأن الحفاظ عليها أصبح أولوية تتقدم على كل خلاف سياسي.
ومن هنا جاءت ثورة 30 من يونيو، التي يراها كثيرون لحظة فاصلة في التاريخ المصري الحديث، بعدما خرج ملايين المواطنين مطالبين بتصحيح المسار واستعادة الدولة، في مشهد أكد أن مصر أكبر من أي جماعة، وأبقى من أي مشروع سياسي، وأن الهوية الوطنية لا تقبل الاختطاف أو المساومة.
قد تختلف القراءات السياسية للأحداث، لكن التاريخ يظل شاهدا على أن تلك المرحلة كانت مليئة بالتحديات، وأن المصريين دفعوا أثمانًا باهظة نتيجة حالة الانقسام والاضطراب التي عاشتها البلاد.
ولعل أكثر ما بقي في ذاكرتي من تلك الرحلة، ليس قصة الرجل وحدها، بل ذلك التشابه المؤلم بين حاله وحال الوطن آنذاك. هو فقد بصره بسبب العنف، بينما كادت مصر تفقد وضوح رؤيتها وسط ضجيج السياسة وصخب الشارع. لكنه ظل مؤمنًا بأن الإنسان يستطيع أن يواصل الحياة رغم فقدان البصر، إذا احتفظ ببصيرته، وكذلك الأوطان تستطيع تجاوز المحن إذا تمسكت بهويتها وحافظت على مؤسساتها.
إن الدرس الذي تتركه تلك السنوات لا يتعلق بالماضي وحده، بل بالمستقبل أيضًا. فالأوطان لا يحميها الصخب، ولا تبنيها الشعارات، وإنما يحفظها الوعي، وتصونها المؤسسات، ويقويها اصطفاف شعبها حول هدف واحد، هو بقاء الدولة واستقرارها.
وربما لهذا ستظل الثلاثون من يونيو، بالنسبة إلى قطاع واسع من المصريين، لحظة انقشع فيها الضباب، واستعاد الوطن وضوح الرؤية، ليواصل رحلته بثقة نحو مستقبل أفضل.





