الأربعاء، 1 يوليو 202612:34 صباحاً
آراء حرة

إبراهيم ضيف يكتب: 30 يونيو.. حين أعادت مصر اختراع نفسها

الثلاثاء، 30 يونيو 2026 11:10 صباحًا
إبراهيم ضيف يكتب: 30 يونيو.. حين أعادت مصر اختراع نفسها
إبراهيم ضيف
15

في مثل هذا اليوم من عام ألفين وثلاثة عشر، وقفت مصر على حافة الهاوية، لم يكن ذلك مجازاً بلاغياً أو تهويلاً سياسياً، بل كان وصفاً أميناً لواقع بلدٍ يُساق بمنهجية نحو التفكك، تُنخر مؤسساته جماعاتٌ أيديولوجية ترى في الوطن غنيمةً لا أمانة، وفي الدولة أداةً للتمكين لا حاضنةً للمواطنين.

 

 

ثم خرج الشعب… ولم يكن خروجه مجرد احتجاج، بل كان حكماً تاريخياً، عشرات الملايين في الميادين، من الإسكندرية إلى أسوان، من القاهرة إلى سيناء، في مشهد لم تشهده الإنسانية في تاريخها الحديث بهذا الحجم وهذا الزخم.

 

كان الشعب المصري يقول بصوتٍ لا يقبل اللبس: “هذه بلادنا، ولن نتركها”.

 

 

ما الذي كانت مصر ستكون عليه لولا ثلاثين يونيو؟… السؤال ليس افتراضياً ترفياً، بل هو مفتاح فهم عمق ما حدث.

 

انظر إلى دول الجوار التي مضت في المسار الآخر، وتأمل ما آلت إليه من حروب أهلية ودولٍ فاشلة وأجيال ضائعة.

 

كانت مصر قاب قوسين أو أدنى من ذلك المصير، وكان الفارق الوحيد هو يقظة شعبٍ امتلك من الوعي ما يكفي ليُفرِّق بين شعارات الدين ومشاريع التوظيف السياسي للدين، وبين صناديق الاقتراع والشرعية الحقيقية المتجذرة في إرادة الأمة الحية لا في لحظة انتخابية بعينها، استجابت القوات المسلحة لتلك الإرادة، لا بوصفها طرفاً في معادلة السلطة، بل بوصفها الضامن الأزلي لبقاء الدولة المصرية.

 

وحين صعد الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى المشهد، لم يحمل وعوداً من ذهب، بل حمل خطاباً نادراً في السياسة: خطاب الحقيقة المرة. قال للمصريين إن المرحلة ستكون صعبة، وإن الثمن سيكون باهظاً، وإن البناء الحقيقي لا يتم في ليلة. وكان ذلك في حد ذاته فعلاً سياسياً شجاعاً في عالمٍ اعتاد قادته على بيع الأوهام.

 

 

عقد من الحجر وسنوات من الفعل

 

 

ما تحقق في السنوات الماضية لا يُقرأ بمعزل عن السياق، مصر التي تسلّمتها القيادة السياسية عام ألفين وثلاثة عشر كانت دولةً تكاد تنهار: خزينةٌ فارغة، واحتياطيٌّ نقدي على وشك الانهيار، وبنيةٌ تحتية متآكلة، وإرهابٌ يضرب في العمق، وسيناء تتحول إلى إمارة للظلام.

 

اليوم، ثمة مشهدٌ مغاير بكل المقاييس الموضوعية.

 

على صعيد البنية التحتية، شهدت مصر نقلةً نوعية غير مسبوقة في تاريخها الحديث؛ شبكةٌ من الطرق والكباري والأنفاق والمحاور أعادت تشكيل جغرافية التواصل بين أطراف الجمهورية، والعاصمة الإدارية الجديدة ليست مجرد مدينة بُنيت، بل هي رسالةٌ حضارية مفادها أن مصر لا تُرمِّم الماضي فحسب، بل تبني المستقبل، في الطاقة، قفزت مصر من دولة تعاني انقطاعات الكهرباء المزمنة إلى دولة تمتلك فائضاً حقيقياً وتصدّر للخارج.

 

 

وفي الملف الاجتماعي، غيّرت مبادرات من قبيل “حياة كريمة” وجه الريف المصري الذي ظل عقوداً ينتظر أن يلتفت إليه أحد.

 

 

أما سيناء، فتلك قصيدة تستحق وقفةً خاصة، الأرض التي كانت الدولة قد فقدت السيطرة على أجزاء منها، وكانت تتحول إلى بؤرة إرهابية تهدد الأمن القومي بمفهومه الأشمل، باتت اليوم مسرحاً لمشاريع تنموية وعمليات عسكرية أعادت إليها هيبة الدولة وحضور المواطن.

 

 

لكن أعمق مكتسبات 30 ليست في الأرقام والمشاريع، على أهميتها، المكسب الأعمق هو أن مصر أثبتت أن الدولة الوطنية العميقة بمؤسساتها وتاريخها وهويتها لا يمكن اختزالها في تجربة انتخابية واحدة أو في جماعة بعينها. أثبتت أن الشعب المصري، حين يُدفع إلى الحائط، لا يستسلم بل يبتكر مخرجاً، وأثبتت أن الأمن والتنمية ليسا نقيضين بل شرطان متلازمان لا يقوم أحدهما دون الآخر.

 

الذكرى الحقيقية لثورة 30 يونيو لا تُحتفل بها بالخطب وحدها، بل بتجديد العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، فما قدّمه المصريون من تضحيات وصبر على مشقة مرحلة الإصلاح الاقتصادي يستحق في المقابل دولةً ترتقي بجودة التعليم، وتُحسن منظومة العدالة، وتُوسِّع فضاء المشاركة والمبادرة، وتجعل الكفاءة والنزاهة معياراً لا استثناءً.

 

 

مصر تملك من الموارد البشرية والجغرافية والتاريخية ما يجعلها قادرةً على أن تكون قوةً إقليمية بالمعنى الكامل للكلمة، وما ثلاثون من يونيو إلا اللحظة التي استعادت فيها مصر حقها في أن تحلم بهذا المستوى، وأعادت تأهيل نفسها لتكون في مصاف الدول التي تصنع التاريخ ولا تكتفي بقراءته.

 

 

الطريق طويل، لكن الخطى راسخة، والوجهة واضحة، والإرادة لم تُكسر.