الاثنين، 29 يونيو 202610:56 مساءً
آراء حرة

شحاتة زكريا يكتب: 30 يونيو.. اليوم الذي قررت فيه الدولة ألا تسقط

الإثنين، 29 يونيو 2026 04:05 مساءً
شحاتة زكريا يكتب: 30 يونيو.. اليوم الذي قررت فيه الدولة ألا تسقط
شحاته زكريا
15

لا تسقط الدول في اللحظة التي تتوقف فيها الحكومات عن العمل ولا عندما تضطرب الأسواق ولا حتى عندما تعلو أصوات الخلاف. إنها تسقط يوم تفقد قدرتها على حماية فكرتها الكبرى فكرة أن هناك وطنا يتسع للجميع ومؤسسات قادرة على البقاء.ومستقبلا يستحق أن يُبنى. وعندما تصل الأمم إلى تلك المنطقة الفاصلة لا يصبح السؤال: من يحكم؟ بل يصبح: هل ستبقى الدولة أصلا؟ من هنا تبدو الثلاثون من يونيو أكثر من مجرد تاريخ في الذاكرة الوطنية وأكثر من حدث سياسي اختلفت حوله التفسيرات. إنها لحظة اختارت فيها الدولة المصرية أن تدخل معركة من نوع آخر معركة البقاء لا معركة السلطة. فالتاريخ لا يتوقف طويلا أمام أسماء الحكام لكنه يتوقف كثيرا أمام الأمم التي نجحت في حماية نفسها عندما اقتربت من حافة المجهول.. كانت المنطقة بأسرها تعيش زمنا مرتبكا خرائط تتغير ودول تتآكل من الداخل وجيوش تتراجع أمام الفوضى ومؤسسات تتحول إلى هياكل بلا روح. ولم يكن أخطر ما جرى آنذاك سقوط أنظمة بل سقوط فكرة الدولة نفسها في أكثر من مكان حتى أصبح المواطن في بعض البلدان يبحث عن الأمان قبل أن يبحث عن الديمقراطية وعن لقمة العيش قبل أن يسأل عن شكل السلطة…وفي وسط هذا المشهد المضطرب وجدت مصر نفسها أمام اختبار لم تعرفه منذ عقود. لم يكن اختبارا اقتصاديا فقط ولا أمنيا فقط بل اختبارا لقدرتها على الحفاظ على توازنها التاريخي. فالدول الكبيرة لا تقاس بعدد سكانها أو مساحة أراضيها وإنما بقدرتها على تجاوز اللحظات التي يظن فيها الجميع أنها لن تعود كما كانت…وهنا تكمن الزاوية التي كثيرا ما يغفلها الحديث عن الثلاثين من يونيو. فالقضية لم تكن في تغيير مشهد سياسي بل في منع انهيار مشهد وطني كامل. فهناك فارق كبير بين دولة تغير حكومتها ودولة تصبح مؤسساتها نفسها مهددة بالشلل. والتاريخ يعلمنا أن إعادة بناء الحكومات قد تستغرق أشهرا أما إعادة بناء الدول فقد تحتاج إلى أجيال..ولذلك فإن القيمة الحقيقية لتلك اللحظة لم تكن فيما حدث في الشوارع وحدها وإنما فيما بدأ بعدها. فالأمم لا تختبر في قدرتها على الاحتجاج وإنما في قدرتها على البناء بعد انتهاء الهتافات. والهدم.مهما كان مبرره يظل أسهل كثيرا من تشييد حجر واحد في بناء الوطن…ربما لهذا السبب اتجهت الدولة بعد ذلك إلى معركة مختلفة معركة استعادة الزمن الذي فقدته. فالسنوات التي تلت لم تكن مجرد محاولة لمعالجة أزمة طارئة بل كانت سباقًا لإعادة بناء البنية الأساسية، وتطوير الاقتصاد، وتحديث المؤسسات، وتوسيع رقعة العمران، واستعادة ثقة الداخل والخارج في قدرة الدولة على التخطيط للمستقبل.

وليس المقصود هنا أن طريق البناء كان خاليا من التحديات، أو أن كل خطوة كانت موضع اتفاق فذلك لا يحدث في أي تجربة إنسانية. لكن الثابت أن الدولة اختارت أن يكون الرد على الأزمات هو العمل وأن يكون الرهان على المستقبل لا على إدارة الخلافات فقط…ومن الدروس العميقة التي كشفتها تلك المرحلة أن أخطر المعارك ليست تلك التي تخاض بالسلاح وإنما تلك التي تخاض داخل العقول. فالأوطان قد تخسر معركة عسكرية ثم تستعيد قوتها لكنها إذا خسرت وعي شعبها يصبح ترميمها أكثر صعوبة. ولهذا كانت معركة الوعي إحدى أهم معارك ما بعد الثلاثين من يونيو لأن حماية الدولة تبدأ من حماية الفكرة التي تقوم عليها…كما أعادت تلك التجربة التذكير بحقيقة يغفلها كثيرون وهي أن التنمية ليست مشروعا اقتصاديا فحسب بل مشروعا لحماية الاستقرار. فحين يشعر المواطن أن دولته تبني وتخطط وتستثمر تتعزز ثقته في المستقبل وتصبح قدرة المجتمع على مواجهة الأزمات أكبر…وربما لهذا السبب أيضا لم تعد الثلاثون من يونيو مجرد مناسبة لاستدعاء مشاهد الماضي بل فرصة للتأمل في معنى الدولة الوطنية في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة. ففي زمن تتبدل فيه التحالفات وتتصاعد فيه الصراعات وتفرض التكنولوجيا تحديات جديدة يبقى وجود دولة قوية ومستقرة هو الضمانة الأولى لأي حلم بالتنمية أو العدالة أو التقدم.

إن الدول لا تُبنى بالخطب ولا تعيش على الذكريات وإنما تستمر حين تمتلك مؤسسات قوية واقتصادا قادرا على الصمود.وشعبا يدرك أن الاختلاف لا يعني هدم البيت الذي يجمع الجميع…بعد أعوام من الثلاثين من يونيو.قد تختلف القراءات وقد تتعدد الرؤى لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن مصر تجاوزت واحدة من أكثر محطاتها حساسية واستطاعت أن تستعيد قدرتها على الحركة في محيط إقليمي شديد الاضطراب. وهذا في حد ذاته درس سياسي وتاريخي يستحق التأمل…وفي النهاية ربما لا يكون السؤال الأهم: ماذا حدث في الثلاثين من يونيو؟ بل ماذا كان يمكن أن يحدث لو لم تستطع الدولة أن تحافظ على تماسكها؟

الإجابة عن هذا السؤال هي التي تمنح تلك اللحظة معناها الحقيقي. فالأوطان لا تعيش لأنها تملك تاريخا عظيما فقط وإنما لأنها تعرف كيف تحمي مستقبلها عندما يصبح على المحك…وهكذا ستبقى الثلاثون من يونيو في أحد معانيها الأعمق اليوم الذي قررت فيه الدولة المصرية ألا تسقط وأن يكون المستقبل مشروعا يصنع بالإرادة والعمل لا رهينة للفوضى أو أسيرا للمجهول.