
لا يمكن لأمة أن تبني مستقبلها ما لم تدقق في دفتر أحوال ماضيها، ولا يمكن لجيل يعيش اليوم تفاصيل “الجمهورية الجديدة” ومدنها الذكية، وشبكات طرقها وعمرانها،
أن يدرك قيمة هذا الاستقرار ما لم يعلم بدقة كم كان الثمن غالياً، وكم كانت الهوة سحيقة كادت أن تبتلع هوية هذا الوطن وعمقه التاريخي، عندما ينظر الشباب الجدد إلى تاريخ 30 يونيو 2013، ربما يروه مجرد يوم عابر في تقويم التاريخ، لكننا نراه نبضاً يجري في عروقنا. كنا متواجدين ضمن شباب الثورة،
نتحرك في الشوارع والميادين، نحمل أحلاماً مثقلة بالقلق، وخوفاً مشروعاً على وطن كان يُختطف علناً جهاراً نهاراً أمام أعين الناس كافه، وفي ذكريات تلك الأيام، وتحديداً في كواليس حركة “تمرد” النواة الأولى في خلع نظام جماعة الإخوان المسلمين
لم يكن الحراك مجرد شعارات سياسية جافة، بل كان ملحمة، إنسانية وتلاحماً شعبياً فريداً حيث اجتمع اليمين واليسار، والشباب والكبار، على هدف واحد وهو سحب الثقة
من أصحاب “طائر النهضة” وأهل الشر.
أتذكر المحافظات التي جُمعت منها الاستمارات الموقعة من الشوارع والميادين، والتي تحولت حينها إلى خلايا نحل تحت أشعة الشمس الحارقة؛ شباب وفتيات يحملون الأقلام والدفاتر، يجمعون توقيعات المواطنين في مشهد ساخن جداً، ولحظات فارقة تجسد الصراع بين جبهتي “تجرد” و”تمرد”.
حينها أطلق القيادي الإخواني عاصم عبد الماجد استمارة مضادة تسمى “تجرد”، لجمع توقيعات المؤيدين للرئيس المعزول محمد مرسي، وكانت محاولة فاشلة من محاولات اكتساب بعض الوقت، وإشغال الناس عبر التعدي على من يوقع على استمارة “تمرد”.
لكن النتيجة جاءت مغايرة تماماً للتوقعات، إذ احتشد الآلاف يتظاهرون أمام محطات مترو الأنفاق وعلى الأرصفة،
وانتشر أعضاء حملة “تمرد” بين الناس يجمعون التوقيعات في أمن وأمان بفضل الالتفاف الشعبي وحماية المواطنين لهم رغم محاولات الملاحقة والتضييق، وأذكر تلك الشقق البسيطة وبيوت الأصدقاء المفتوحة التي تحولت إلى غرف عمليات بديلة عندما اشتدت التهديدات، وسط أكوام من الاستمارات الورقية.
كان التحدي الأكبر ليس فقط جمع تلك الاستمارات، بل تأمين نقلها وحمايتها من المصادرة والحرق، لتقديمها كدليل دامغ على رغبة الشعب الجارفة في سحب الثقة من الرئيس محمد مرسي.
وهناك حقيقة تاريخية يجب أن تعيها الأجيال جيداً أن من عزل جماعة الإخوان من الحكم في المقام الأول، هم الإخوان أنفسهم، فحين تمكنت جماعة الإخوان المسلمين من الحكم والسلطة، انتفضت وأظهرت وجهها الإقصائي الحقيقي، وبدأت في التعدي على مقدرات الشعب، وظهّروا لنا منطق “الأهل والعشيرة”
ليعلنوا بصيغة غير مباشرة أننا لسنا منهم. لذلك، لم تكن القوى الوطنية بحاجة لبذل جهد كبير لإقناع الشعب بالتوقيع فبمجرد طبع الاستمارة، تبارى المواطنون في نسخها وتبادلها، وتدفقت الاستمارات الموقعة بالرقم القومي لأعضاء الجمعية العمومية للشعب المصري في مشهد وطني مخلص
ويسجل التاريخ هنا ثاني وثيقة يفوض فيها الشعب قيادته مستخدماً أداة سلمية، فكما عبرت توكيلات سعد زغلول قديماً عن تفويض الشعب له، جاءت “تمرد” ليفوض الشعب المصري العظيم من خلالها القوات المسلحة المصرية لإنفاذ إرادته، وتحقيق مطالبه في انتخابات رئاسية مبكرة، على أن يقوم رئيس المحكمة الدستورية العليا بإدارة شؤون البلاد،
حتى جاء قائد خارطة الطريق وباني الجمهورية الجديدة، فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي ليعبر بالبلاد في أصعب الظروف التي كانت تواجهها مصر من جماعة الشر من محاولات لتقسيم المجتمع إلى فسطاطين وتهديد السلم المجتمعي ومحاصرة المحاكم والمؤسسات الدستورية، كانت كلها شواهد على السقوط.
لقد عزلوا أنفسهم سياسياً وشعبياً عندما ظنوا أن الوطن يمكن أن يُدار بعقلية “التنظيم” لا بمنطق “الدولة”، وعندما تعاملوا مع مصر كـ “ممر” لا كـ “وطن”. كان استعلاؤهم وفشلهم في استيعاب التنوع المصري الفريد هو المسمار الأخير في نعش شرعيتهم الزائفة.
إن كسر حاجز الخوف في تلك الأيام لم يكن قراراً فردياً، بل كان يقيناً جماعياً جارفاً وُلد في قلوب “الأغلبية الصامتة” التي قررت فجأة ألا تصمت؛ فخرج “حزب الكنبة” معبرين عن تلك الإرادة الشعبية الصادقة من أجل الحفاظ على الهوية الوطنية
واليوم، ونحن نرى ملامح “الجمهورية الجديدة” تتشكل واقعاً ملموساً على الأرض، يجب أن يدرك شبابنا أن هذه الإنجازات لم تأتِ بالصدفة ولا بالجهد اليسير
لقد دُفعت أثمان الحاضر من دماء شهداء أبرار من أبطال القوات المسلحة والشرطة البواسل، ومن أعصاب ومستقبل جيل كامل خاض معركة الوعي وتثبيت أركان الدولة بعد أن كانت قاب قوسين أو أدنى من الانهيار والحروب الأهلية.
يا شباب مصر الجديد..
إن الحفاظ على هذا الوطن واستقراره ومواصلة معركة البناء والتنمية هو الأمانة الوحيدة المقابلة تضحيات الأمس؛ فحافظوا على وعيكم، وتذكروا دائماً أن خلف كل خطوة نخطوها للأمام اليوم، ثمن باهظ دُفع بالأمس لتبقى مصر للمصريين جميعاً.
حفظكم الله لمصرنا، وحفظ الله الوطن وجيشنا الأبي.
كل عام وأنتم بخير بمناسبة ذكرى 30 يونيو.





