الأحد، 28 يونيو 20265:52 مساءً
آراء حرة

اللواء طارق جمعة يكتب: ما بعد 30 يونيو.. وإعادة تشكيل معادلة مكافحة الارهاب

الأحد، 28 يونيو 2026 01:13 مساءً
اللواء طارق جمعة يكتب: ما بعد 30 يونيو.. وإعادة تشكيل معادلة مكافحة الارهاب
لواء دكتور طارق جمعة – باحث فى شئون الارهاب والأمن الاقليمى بمعهد شئون الأمن العالمى والدفاع
15

لا تخسر التنظيمات الإرهابية معاركها عندما تفقد آخر معاقلها ولا عندما يسقط أبرز قادتها ولا حتى عندما تتراجع قدرتها على تنفيذ العمليات المسلحة فالتاريخ يقدم أمثلة عديدة على تنظيمات تعرضت لهزائم قاسية ثم عادت بعد سنوات بأسماء مختلفة وقيادات جديدة وفي ساحات أخرى ولهذا فإن السؤال الذي يستحق أن يطرح بعد ثورة الثلاثين من يونيو ليس كيف انتصرت مصر على الإرهاب وإنما لماذا لم يتمكن الإرهاب من إعادة إنتاج نفسه بالمعدل الذي شهدته دول أخرى واجهت التهديد ذاته

قد تبدو الإجابة لأول وهلة مرتبطة بكفاءة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية وهو تفسير صحيح لكنه لا يكفي لفهم الصورة الكاملة فقد امتلكت دول أخرى جيوشًا قوية وأجهزة أمنية متطورة وخاضت مواجهات عنيفة مع التنظيمات المتطرفة لكنها لم تستطع منع عودة الإرهاب بصورة أو بأخرى وهذا يقودنا إلى إعادة النظر في مفهوم الانتصار ذاته فهل يتحقق الانتصار عندما يختفي تنظيم بعينه أم عندما تصبح البيئة التي أنتجته عاجزة عن إنتاج تنظيم جديد

تكشف التجربة المصرية أن التحول الحقيقي لم يكن في حجم العمليات الأمنية بقدر ما كان في تغير فلسفة إدارة الدولة لمواجهة الظاهرة الإرهابية فبدلًا من التركيز على التعامل مع نتائج الإرهاب بعد وقوعها أصبح الاهتمام يتجه بصورة متزايدة إلى معالجة الأسباب التي تسمح له بالنشأة والانتشار وهذا التحول قد يبدو هادئًا وغير مرئي لكنه كان من أكثر التحولات تأثيرًا في مسار المواجهة

لقد أثبتت الخبرات الدولية أن الإرهاب ليس كيانًا مستقلًا يعيش بعيدًا عن محيطه بل هو نتاج بيئة سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية معقدة وكلما توافرت لهذه البيئة عوامل الاضطراب وضعف المؤسسات وتراجع الثقة في الدولة ازدادت قدرة التنظيمات على التجنيد والحركة والتمويل أما عندما تستعيد الدولة كفاءتها وتفرض سيادة القانون وتعيد بناء مؤسساتها فإن التنظيمات تبدأ تدريجيًا في فقدان المجال الذي كانت تتحرك داخله

ومن هنا فإن أهم ما يمكن ملاحظته في التجربة المصرية هو أن الدولة لم تنظر إلى الإرهاب باعتباره مشكلة أمنية فقط وإنما باعتباره تحديًا يمس بنية الدولة نفسها ولذلك لم تقتصر المواجهة على ملاحقة العناصر المسلحة بل امتدت إلى إعادة بناء المؤسسات وتعزيز قدرتها على أداء وظائفها واستعادة حضورها في مختلف القطاعات فكل مؤسسة تعمل بكفاءة كانت تمثل في الوقت نفسه جدارًا إضافيًا في مواجهة التطرف

وتبرز هنا حقيقة كثيرًا ما يتم تجاهلها وهي أن الإرهاب لا يبدأ بحمل السلاح وإنما يبدأ قبل ذلك بفترة طويلة يبدأ بفكرة ثم يتحول إلى خطاب ثم إلى عملية استقطاب ثم إلى تجنيد ثم إلى تدريب وتمويل وتخطيط قبل أن يصل في النهاية إلى التنفيذ وعندما تنجح الدولة في تعطيل هذه السلسلة في مراحلها الأولى فإنها لا تمنع عملية إرهابية واحدة فقط وإنما تمنع نشوء تنظيم كامل في المستقبل

ولهذا فإن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد العمليات التي تم إحباطها أو بعدد العناصر التي تم القبض عليها وإنما يقاس بقدرة الدولة على تقليص عدد الأفراد الذين يصلون أصلًا إلى مرحلة التطرف العنيف وهذا هو الفارق بين مواجهة الإرهابي بعد ظهوره وبين منع تكوين الإرهابي من الأساس

ويكشف هذا التحول عن تغير أوسع في مفهوم الأمن القومي فالأمن لم يعد يقتصر على حماية الحدود أو مواجهة التهديدات العسكرية التقليدية وإنما أصبح يشمل حماية المجتمع من الظروف التي تسمح بإنتاج التطرف ومن هذا المنطلق اكتسبت التنمية والتعليم وتحسين الخدمات العامة وإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة أهمية لا تقل عن أهمية الجهود الأمنية لأنها جميعًا تسهم في تضييق المساحات التي تستغلها التنظيمات المتطرفة

لقد أثبتت التجربة أن المناطق التي تشهد حضورًا قويًا للدولة بخدماتها ومؤسساتها تكون أقل قابلية لاختراق التنظيمات الإرهابية من المناطق التي تعاني من التهميش أو ضعف الخدمات ولذلك فإن مشروعات التنمية لم تكن مجرد خطط اقتصادية وإنما كانت في أحد أبعادها جزءًا من رؤية أوسع لحماية الأمن القومي وتعزيز الاستقرار على المدى الطويل

ومن التحولات المهمة أيضًا الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة المخاطر ففي كثير من التجارب كان التعامل مع الإرهاب يبدأ بعد وقوع الحادث أما في التجربة المصرية فقد أصبح الهدف هو اكتشاف مؤشرات الخطر في مراحلها المبكرة والتعامل معها قبل أن تتحول إلى تهديد مباشر وهنا أصبحت المعلومات أحد أهم عناصر القوة ولم تعد المواجهة تعتمد فقط على الانتشار الأمني وإنما على القدرة على جمع البيانات وتحليلها وربطها واكتشاف الأنماط التي قد تشير إلى نشاط إرهابي قبل اكتماله

كما تغيرت أهمية عامل الزمن في إدارة المواجهة فالتنظيمات الإرهابية تحتاج إلى الوقت من أجل التجنيد والتخطيط ونقل الأموال والأسلحة وإعداد المنفذين وكلما استطاعت الدولة تقليص الزمن بين اكتشاف المؤشرات واتخاذ القرار والتنفيذ تقلصت قدرة التنظيمات على الحركة والمبادرة وهكذا أصبح الوقت نفسه ساحة من ساحات الصراع وأصبح امتلاك سرعة الاستجابة عنصرًا لا يقل أهمية عن امتلاك القوة

ويبقى هناك بعد آخر أكثر عمقًا يتعلق بالصراع على الشرعية فالتنظيمات المتطرفة لا تسعى فقط إلى تنفيذ عمليات عنف وإنما تحاول إقناع بعض الفئات بأنها تمثل بديلًا للدولة أو أنها أكثر قدرة على تحقيق العدالة أو حماية الهوية ولذلك فإن نجاح الدولة في تعزيز ثقة المواطنين بمؤسساتها وفي ترسيخ سيادة القانون وفي تقديم خدمات فعالة يسحب تدريجيًا من التنظيمات أحد أهم مصادر قوتها وهو القدرة على استقطاب الأنصار

وبعد ثورة الثلاثين من يونيو يمكن القول إن التجربة المصرية قدمت فهمًا مختلفًا لمعنى الانتصار على الإرهاب فلم يكن الهدف إنهاء تنظيم بعينه بقدر ما كان بناء دولة أكثر قدرة على منع ظهور تنظيم جديد وربما يكون هذا هو الدرس الأكثر أهمية لأن التنظيمات قد تتغير أسماؤها وقد تتبدل قياداتها وقد تتطور أدواتها لكن الدولة التي تنجح في إغلاق المسارات التي تنتج التطرف تكون قد حققت انتصارًا أكثر رسوخًا واستدامة من أي انتصار عسكري مؤقت

إن فهم التجربة المصرية يظل ناقصًا إذا اقتصر على متابعة المواجهات الأمنية وحدها لأن أحد أكثر التحولات تأثيرًا لم يكن ظاهرًا على سطح الأحداث وإنما كان يتعلق بإضعاف البنية التي يعتمد عليها الإرهاب للاستمرار فكل تنظيم مسلح يحتاج إلى موارد مالية وشبكات لوجستية ووسائل اتصال وبيئة تسمح له بالحركة والتخفي وإذا فقد هذه العناصر يصبح بقاؤه أكثر صعوبة حتى لو احتفظ ببعض عناصره المسلحة

ولهذا فإن أحد الدروس التي تستحق مزيدًا من الدراسة هو أن الإرهاب لا يمثل تنظيمًا عسكريًا فقط بل يمثل اقتصادًا كاملًا يقوم على التمويل والتهريب والدعم اللوجستي والقدرة على إدارة الموارد وقد أثبتت الخبرات الدولية أن كثيرًا من التنظيمات لم تنهار بسبب خسائرها العسكرية وإنما بسبب فقدانها لمصادر التمويل أو تراجع قدرتها على إدارة شبكاتها الاقتصادية السرية وعندما تضيق مساحة الحركة أمام هذه الشبكات يصبح التنظيم أكثر انشغالًا بتأمين بقائه من التفكير في تنفيذ عمليات جديدة أو توسيع نطاق نشاطه

كما أن التجربة المصرية تشير إلى أن نجاح أي دولة في مكافحة الإرهاب يرتبط بقدرتها على تحقيق التكامل بين مؤسساتها فالمعلومات التي تجمعها جهة قد تصبح عديمة القيمة إذا لم تصل في الوقت المناسب إلى الجهة القادرة على تحليلها أو التعامل معها ولذلك أصبح التنسيق المؤسسي أحد أهم عناصر النجاح لأن الإرهاب يستفيد دائمًا من الفجوات بين المؤسسات أكثر مما يستفيد من قوته الذاتية

ومن الزوايا التي لا تحظى بالنقاش الكافي أن التنظيمات الإرهابية لا تخوض صراعًا على الأرض فقط وإنما تخوض صراعًا على الإدراك فهي تسعى إلى إقناع المجتمع بأنها لا تزال قوية حتى عندما تكون في حالة تراجع ولذلك فإن جزءًا من المعركة يدور حول الصورة الذهنية أكثر مما يدور حول السيطرة الميدانية فكلما فقد التنظيم قدرته على التأثير في الوعي العام تراجعت قدرته على التجنيد وجمع الأموال واستقطاب المتعاطفين

ومن هنا فإن الإعلام المسؤول والتعليم الرشيد والمؤسسات الدينية والثقافية لا تمثل أدوات مساندة لمكافحة الإرهاب وإنما تمثل جزءًا أصيلًا من منظومة الأمن الوطني لأنها تسهم في بناء وعي مجتمعي قادر على اكتشاف الخطاب المتطرف ورفضه قبل أن يتحول إلى سلوك عنيف

لكن السنوات المقبلة قد تحمل تحديات تختلف عن تلك التي عرفها العالم خلال العقدين الماضيين فالتنظيمات الإرهابية أثبتت أنها قادرة على التكيف مع التحولات التكنولوجية وأنها تسعى دائمًا إلى توظيف الأدوات الجديدة لخدمة أهدافها ومع التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي قد تصبح الدعاية المتطرفة أكثر احترافية وقد تظهر مواد إعلامية مزيفة يصعب على المتلقي التحقق من حقيقتها كما قد تستغل تقنيات التزييف العميق في نشر رسائل مضللة أو إثارة الفوضى أو تقويض الثقة في المؤسسات

ولن تقتصر التحديات على المحتوى الإعلامي بل قد تمتد إلى استخدام المنصات المشفرة والعملات الرقمية في إدارة الاتصالات أو نقل الأموال بصورة أكثر تعقيدًا وهو ما يفرض على الدول تطوير أدواتها بصورة مستمرة لأن أساليب الأمس قد لا تكون كافية لمواجهة تهديدات الغد

ولهذا فإن الأمن في المستقبل لن يعتمد فقط على امتلاك السلاح أو زيادة أعداد القوات وإنما سيعتمد بدرجة متزايدة على امتلاك المعرفة وتحليل البيانات والاستثمار في البحث العلمي وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتعزيز الأمن السيبراني وإعداد كوادر قادرة على التعامل مع التهديدات الرقمية قبل أن تتحول إلى مخاطر حقيقية على الأرض

إن التجربة المصرية بعد الثلاثين من يونيو تؤكد أن مكافحة الإرهاب ليست معركة تنتهي بإعلان النصر وإنما عملية مستمرة تتطلب مراجعة دائمة للسياسات وتطويرًا متواصلًا للأدوات لأن الإرهاب يتغير كلما تغير العالم والدولة التي تتوقف عن التطور تمنح خصومها فرصة للحاق بها بينما الدولة التي تستثمر في الإنسان وفي المعرفة وفي مؤسساتها تكون أكثر قدرة على حماية أمنها واستقرارها على المدى الطويل

وفي النهاية فإن القيمة الحقيقية للتجربة المصرية لا تكمن فقط في تراجع معدلات العنف أو انخفاض عدد العمليات الإرهابية وإنما في التحول الذي طرأ على فلسفة إدارة الأمن القومي فقد أثبتت أن الانتصار الحقيقي لا يتحقق عندما يسقط آخر إرهابي وإنما عندما تصبح الدولة أكثر قدرة على منع ظهور الإرهابي التالي وأن الأمن لا يصنعه السلاح وحده بل تصنعه أيضًا المؤسسات القوية والعدالة والتنمية والتعليم والوعي المجتمعي والقدرة على استشراف المستقبل

وربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي تقدمه تجربة الثلاثين من يونيو فالدول لا تنتصر على الإرهاب لأنها تمتلك قوة أكبر فحسب وإنما لأنها تنجح في بناء منظومة تجعل التطرف أكثر صعوبة والإرهاب أقل قدرة على إعادة إنتاج نفسه .